أن يرى النائم نفسه أو غيره بشعر أبيض في سن مبكرة مشهد غير مألوف، فيدفعه إلى التساؤل عن دلالته. والأصل أن الرؤيا رمزية، فلا تُحمل على ظاهرها ولا تُعد خبرًا عن الصحة أو عن المستقبل. فالحلم قد يخلط بين أعمار مختلفة ليعبّر عن فكرة واحدة، كأن يشعر الرائي بأنه نضج قبل أوانه. ولذلك يحسن أن يقرأ الرؤيا بهدوء، وأن يربطها بما يمر به لا بتوقعات جاهزة.
يرمز الشعر الأبيض في الأصل إلى الوقار والخبرة، وحين يظهر في سن صغيرة فإن الرمز ينتقل إلى النضج المبكر وسبق التجربة للسنين. وقد يدل على أن الرائي تحمل مسؤوليات أكبر مما يتحمله أقرانه، فتكونت عنده رصانة تسبق عمره. وقد يدل كذلك على أفكار كثيرة تشغله منذ وقت مبكر، فصارت صورة الشعر الأبيض تعبيرًا عنها. ويرجح أحد المعنيين شعوره في الحلم، فالرضا يرجح النضج والتقدير، والضيق يرجح الحاجة إلى التخفيف.
نُسب إلى ابن سيرين أن الشعر في المنام يدل على المال والمنزلة، وأن البياض فيه قد يُقرأ على الوقار والهيبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشيب في الرؤيا قد يدل على اعتبار وقدر، وقد يدل على اهتمام وطول تفكير بحسب حال الرائي. وتختلف آراء المفسرين في ذلك، ولا يذكرون عادة تفصيلًا خاصًا بالسن عند ظهور البياض. فهذه الصورة من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة، وما يُقال فيها اجتهاد يقيس على الأصل ولا يقطع بحكاية.
يغير السياق المعنى كثيرًا. فإن كان الرائي في الحلم طالبًا أو شابًا في مقتبل العمل وشعر بالفخر بمظهره فذلك يميل إلى معنى الرصانة والاحترام. وإن شعر بالارتباك أو الحرج فقد يكون ذلك تعبيرًا عن خوفه من أن يتحمل أكثر من طاقته، أو من أن ينظر الناس إليه نظرة مختلفة. وإن كان المشهد بين أصدقائه أو في مدرسته أو جامعته فالأقرب أن المعنى متصل بمحيطه الاجتماعي. ويؤثر في ذلك أيضًا ما سبق النوم من ضغوط أو مسؤوليات.
وللعزباء قد يعبّر الحلم عن نضج في تفكيرها يسبق سنها، وعن مسؤوليات مبكرة تحملتها في أسرتها أو دراستها. وقد يكون إشارة إلى شخصية تعتمد عليها المحيطات بها في الأمور الجادة. وإن كانت مرتاحة فالمعنى محمود يتصل بالاتزان. وإن كانت متضايقة فقد يكون ذلك دعوة إلى أن تسمح لنفسها بقدر من المرح والراحة دون أن تحمل نفسها فوق ما تحتمل.
وللمتزوجة قد يشير الحلم إلى أنها تحملت أعباء البيت في سن مبكرة، فاكتسبت خبرة سبقت أقرانها. وإن كانت حاملًا فالأرجح أنه يعكس تفكيرها في مسؤولية الأمومة، والحلم ليس نصيحة طبية ولا يغني عن استشارة الطبيبة. وللرجل قد يدل على تحمله مسؤولية العمل أو الأسرة وهو لا يزال في بداية الطريق. ومن كان يعاني من أمر صحي فالمرجع هو الطبيب، ولا يُبنى على الحلم أي استنتاج.
وفي التفاصيل الدقيقة يُنظر إلى مقدار البياض وموضعه، فالقليل في الجانب قد يدل على أمر واحد يشغل صاحبه، والكثير في الرأس كله يدل على انشغال أعم. ويُنظر إلى مظهر الرائي في الحلم، فإن كان نشيطًا وشابًا في ملامحه ومعه بياض الشعر فذلك يجمع بين الحيوية والخبرة. وإن رأى غيره بهذه الصورة فالمعنى يتعلق بذلك الشخص وبما بينه وبين الرائي. ومن التفاصيل أيضًا هل قبل الرائي المشهد أم رفضه، فالقبول يدل على تصالح مع النفس.
وعمليًا، قد يكون الحلم انعكاسًا لشعور بالتعب من كثرة المهام أو من كثرة التفكير في المستقبل. ومن الحسن أن يراجع الرائي جدول أيامه وأن يوزع الأعباء بحيث يبقى له وقت للراحة والهوايات. ويمكنه أن يتكلم مع شخص يثق به عما يشغله، فالكلام وحده يخفف من الثقل. وليس في الحلم ما يدعو إلى الخوف، بل هو فرصة للنظر في ما اكتسبه من نضج وكيف يوظفه بتبصر وتوازن.
وقد يضيف بعض المعاصرين أن الصورة تعبّر أحيانًا عن رغبة في أن يُؤخذ المرء بجدية رغم صغر سنه. وهذه رغبة مشروعة في ذاتها، تظهر في الأحلام بصور مختلفة منها الشعر الأبيض. وإذا عرف الرائي مصدر هذه الرغبة فقد يسهل عليه أن يعبّر عنها في يقظته بطرق هادئة، كإتقان عمله أو حسن كلامه. وبهذا تتحول الصورة من مصدر حيرة إلى مصدر دافع.
وخلاصة القول أن الشعر الأبيض في سن مبكرة يميل في الغالب إلى معاني النضج المبكر وتحمل المسؤولية، ويختلف المعنى باختلاف شعور الرائي وظروفه. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار ولا يقين. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله وأن يدعوه بأن يجعل ما رآه خيرًا وأن يرزقه الطمأنينة والتوفيق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في الأحلام صور تُقرأ بحذر وتواضع.
