رؤية الشعر الأبيض لكبير السن منام مألوف يجمع بين رمز الوقار وبين مرحلة عمرية يستحق أهلها الاحترام والتقدير. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تخبر عن أمر محدد في أيامه ولا في صحته. وهي في الغالب صور يعرضها العقل من مشاعر صاحبها وذكرياته ونظرته إلى مسيرته وإلى من حوله. ولذلك يحسن أن تُقرأ بهدوء، وأن يكون شعوره أثناء الحلم هو القرينة الأولى في الفهم. فقد يرى كبيران الصورة نفسها ويكون المعنى مختلفًا لكل منهما بحسب سيرته وحاله.
يرمز الشعر الأبيض عمومًا إلى الوقار والهيبة وتراكم التجارب، وقد يشير إلى النضج والاتزان وهدوء الطباع. وهو عند كبير السن أقرب إلى معنى الاعتزاز بسنين مضت وخبرة تراكمت وعلاقات امتدت. وقد يدل في بعض السياقات على همّ يحمله تجاه أبنائه وأحفاده وما يشغله من شؤونهم. وليس لهذا الرمز معنى ثابت في كل حال، فالمشاعر المرافقة والتفاصيل هي التي ترجّح وجهًا على آخر. وهذه قراءات عامة لا تبلغ درجة القطع.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن الشيب قد يدل على الهيبة والمكانة لأهلها، وعلى الهم لمن كان في كدر، وفي ثبوت هذه الأقوال وتفاصيلها خلاف بين الناقلين. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المعنى يتبع حال الرائي وما يناسبه، فما يحمد لقوم قد لا يحمد لغيرهم. وتتباين آراء المفسرين في الرموز، فلا يصح الجزم بقول واحد. كما أن الصور الأقل شيوعًا، ومنها رؤية كبير السن لشعره الأبيض، أقل تناولًا في الكتب القديمة بوصفها منامًا مستقلًّا، فيُقاس تفسيرها على نظائرها.
أما أثر حال كبير السن فهو كبير، فهو في الغالب صاحب تجارب طويلة ومكانة في أسرته، وقد يعيش مرحلة تأمل ومراجعة وهدوء بعد عمر من السعي. وظهور الشعر الأبيض في منامه قد يشير إلى رضاه عن مسيرته واعتزازه بما بناه، أو إلى حنين إلى أيام مضت. وقد يعبّر عن حاجته إلى التقدير من أهله والإصغاء إلى رأيه. وقد يدل كذلك على رغبته في أن ينقل خبرته للأجيال بعده. ويختلف المعنى بين من يعيش بين أبنائه في أنس ومن يشتاق إلى قرب أحبته.
وإذا كان الرائي رجلًا كبير السن، فقد يعبّر الحلم عن اعتزازه بدوره الأسري ومجلسه بين أبنائه، وعن رغبته في أن يبقى مرجعًا لهم. وقد يكون الشعر الأبيض علامة على هذا الوقار، إن صاحبه شعور بالرضا. وإن كان معه شوق أو همّ فقد يعبّر عن اهتمامه بأحوال أهله. ولا يدل ذلك على أمر محدد في أيامه، فالرؤيا ظنية. وله أن يستمتع بصحبة أحبته ويشاركهم خبرته.
وإذا كانت الرائية امرأة كبيرة في السن، فقد يعبّر الحلم عن فخرها بما ربّته وبنته، وعن حنانها على أبنائها وأحفادها، وعن رغبتها في أن تُقدَّر وتُسمع. وقد يكون الشعر الأبيض عندها علامة على خبرة الحياة وسكينتها، إن كان الشعور مريحًا. وإن كان معه شعور بالوحدة فقد يدعوها الحلم إلى مزيد من التواصل مع أهلها وجيرانها. ويبقى شعورها أثناء الحلم هو الأصل. وللأبناء أن يحيطوها بالاهتمام والمودة.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل رأى الشعر الأبيض في المرآة أم في الصور القديمة، وهل كان بين أهله أم وحده، وهل كان يبتسم أم يتأمل. فالمرآة قد تميل إلى معنى المراجعة الهادئة للنفس، والصور القديمة قد تستدعي الحنين. وحضور الأحفاد في المشهد قد يدل على الأنس ومعنى الامتداد. كما أن الإضاءة الدافئة تضيف إحساسًا بالرضا. وكل ذلك يُجمع ولا يُبنى على عنصر واحد، ولا يُعد خبرًا عن الصحة.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى الاستمتاع بالأيام وصحبة الأهل، وإلى تدوين الذكريات والخبرات ونقلها لمن يحتاج إليها. ويمكن للرائي أن يتأمل: ما الذي يريد أن يتركه من أثر طيب، ومن الذين يشتاق إلى رؤيتهم، وما الأنشطة التي تبعث فيه النشاط. ومن المفيد أن يحافظ على حركته اليومية وفحوصه الطبية الدورية، وأن يطلب العون عند الحاجة دون حرج، وأن يجالس الأحفاد والأصدقاء ويشاركهم قصصه وخبراته، فذلك يبعث في النفس أنسًا ويقوّي الصلة بين الأجيال. وإن شعر بحزن أو وحدة فالتحدث مع قريب أو مختص أمر طيب، وليس الحلم تشخيصًا ولا نصيحة طبية.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، فلا يُبنى عليه خوف ولا قرار مصيري. وليحسن الرائي ظنه بالله وليدعُه أن يمتعه بالعافية والأنس بأهله وأن يجعل ما رآه خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما في المنامات من رموز فهو للتأمل لا للجزم. والله أعلم بالصواب.
