شرح معاني الآثار للطحاوي
حديث شريف
فَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ: «فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَسَمَ يَمِينٌ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْيَمِينِ» وَإِذَا كَانَتْ يَمِينًا , كَانَتْ مُبَاحَةً , فِيمَا سَائِرُ الْأَيْمَانِ فِيهِ مُبَاحَةٌ , وَمَكْرُوهَةً فِيمَا سَائِرُ الْأَيْمَانِ فِيهِ مَكْرُوهَةٌ. ⦗٢٧٠⦘ وَلَا حُجَّةَ عِنْدَنَا , عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ , فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ , الَّذِي ذَكَرْنَا , فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَسَمِ , لِأَبِي بَكْرٍ مِنْ أَجْلِهِ , هُوَ أَنَّ التَّعْبِيرَ الَّذِي صَوَّبَهُ فِي بَعْضِهِ , وَخَطَّأَهُ فِي بَعْضِهِ , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ , وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا يُعَبِّرُ لَهُ الرُّؤْيَا كَمَا نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْحَوَامِلُ , عَلَى الْإِشْفَاقِ مِنْهُ أَنْ يُضِرَّ ذَلِكَ بِأَوْلَادِهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَلَا يُضِرُّ بِأَوْلَادِهِمْ , أَطْلَقَ مَا كَانَ حَظَرَ مِنْ ذَلِكَ ٦٨٢١ -حَدَّثَنَا بِذَلِكَ، يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ , مَا قَالَهُ مِنْ جِهَةِ الظَّنِّ , فَهُوَ كَسَائِرِ الْبَشَرِ فِي ظُنُونِهِمْ , وَأَنَّ الَّذِي يَقُولُهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَهُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ. وَكَانَتِ الرُّؤْيَا إِنَّمَا تُعَبَّرُ بِالظَّنِّ وَالتَّحَرِّي , وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا} [يوسف: ٤٢] . فَلَمَّا كَانَ التَّعْبِيرُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ فِيهَا , كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ , أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ ; لِيُخْبِرَهُ بِمَا يَظُنُّهُ صَوَابًا , عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ كَذَلِكَ , وَقَدْ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ نَظَرَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنَ الْفِقْهِ , وَاجْتَهَدَ , فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى شَيْءٍ وَسِعَهُ الْقَوْلُ بِهِ , وَرَدُّ مَا خَالَفَهُ , وَتَخْطِئَةُ قَائِلِهِ , إِذَا كَانَتِ الدَّلَائِلُ الَّتِي بِهَا يُسْتَخْرَجُ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ , رَافِعَةً لَهُ. وَلَوْ حَلَفَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْجَوَابَ صَوَابٌ , كَانَ مُخْطِئًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ إِصَابَةَ الصَّوَابِ , فَيَكُونُ مَا قَالَهُ , هُوَ الصَّوَابَ , وَلَكِنَّهُ كُلِّفَ الِاجْتِهَادَ. وَقَدْ يُؤَدِّيهِ الِاجْتِهَادُ إِلَى الصَّوَابِ وَإِلَى غَيْرِ الصَّوَابِ , فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ , كَرِهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ , الْحَلِفَ عَلَيْهِ ; لِيُخْبِرَهُ بِصَوَابِهِ مَا هُوَ , لَا مِنْ جِهَةِ كَرَاهِيَةِ الْقَسَمِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ
- المصدر
- شرح معاني الآثار للطحاوي
- الصفحة أو الرقم
- 6820
