شرح معاني الآثار للطحاوي
حديث شريف
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ، قَالَ: ثنا الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ الْقِتْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ , عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي، عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ، مِثْلَهُ قَالُوا: فَهَذَا مَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَفْعَلُوهُ إِلَى الْيَوْمِ , وَلَيْسَ بِمَنْسُوخٍ , فَمَا يُنْكِرُونَ أَنَّ الْقُرْعَةَ فِي الْعَتَاقِ فِي الْمَرَضِ كَذَلِكَ. قِيلَ لَهُمْ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ , مَا يُغْنِي , وَلَكِنَّا نَذْكُرُ هَاهُنَا , مَا فِيهِ أَيْضًا دَلِيلُ أَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى حَيْثُ أَحَبَّ , وَإِنْ طَالَ سَفَرُهُ ذَلِكَ , وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ نِسَائِهِ , وَأَنَّ حُكْمَ الْقَسْمِ , يَرْتَفِعُ عَنْهُ بِسَفَرِهِ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَتْ قُرْعَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ نِسَائِهِ , فِي وَقْتِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الْخُرُوجِ بِإِحْدَاهُنَّ لِتَطِيبَ نَفْسُ مَنْ لَا يَخْرُجُ بِهَا مِنْهُنَّ , وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُحَابِ الَّتِي خَرَجَ بِهَا عَلَيْهِنَّ , لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيُخَلِّفَهُنَّ ⦗٣٨٤⦘ جَمِيعًا , كَانَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ وَيُخَلِّفَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ. فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا يَسَعُ تَرْكَهَا , وَفِيمَا لَهُ أَنْ يُمْضِيَهُ بِغَيْرِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ , الْخَصْمَانِ يَحْضُرَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ , فَيَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ دَعْوَى. فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا , فَأَيُّهُمَا أُقْرِعَ , بَدَأَ بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِهِ , وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِغَيْرِ قُرْعَةٍ. فَكَانَ الْأَحْسَنُ بِهِ ; لِبُعْدِ الظَّنِّ بِهِ فِي هَذَا اسْتِعْمَالَ الْقُرْعَةِ , كَمَا اسْتَعْمَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ نِسَائِهِ. وَكَذَلِكَ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَقْسَامِهِمْ بِالْقُرْعَةِ , فِيمَا قَدْ عَدَلُوهُ بَيْنَ أَهْلِهِمْ , بِمَا لَوْ أَمْضَوْهُ بَيْنَهُمْ , لَا عَنْ قُرْعَةٍ , كَانَ ذَلِكَ مُسْتَقِيمًا. فَأَقْرَعُوا بَيْنَهُمْ ; لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ , وَتَرْتَفِعَ الظِّنَّةُ , عَمَّنْ تَوَلَّى لَهُمْ قِسْمَتَهُمْ. وَلَوْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ , عَلَى طَوَائِفَ مِنَ الْمَتَاعِ , الَّذِي لَهُمْ , قَبْلَ أَنْ يُعَدِّلَ وَيُسَوِّيَ قِيمَتَهُ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ مِنْهُ , كَانَ ذَلِكَ الْقَسْمُ بَاطِلًا. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقُرْعَةَ إِنَّمَا فُعِلَتْ , بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَهَا , مَا يَجُوزُ الْقَسْمُ بِهِ , وَأَنَّهَا إِنَّمَا أُرِيدَتْ لِانْتِفَاءِ الظَّنِّ , لَا بِحُكْمٍ يَجِبُ بِهَا. فَكَذَلِكَ نَقُولُ كُلُّ قُرْعَةٍ تَكُونُ مِثْلَ هَذَا , فَهِيَ حَسَنَةٌ , وَكُلُّ قُرْعَةٍ يُرَادُ بِهَا وُجُوبُ حُكْمٍ , وَقَطْعُ حُقُوقٍ مُتَقَدِّمَةٍ , فَهِيَ غَيْرُ مُسْتَعْمَلَةٍ. ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ , فَرَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَكَمَ فِي الْعَبْدِ , إِذَا كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ , فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا , فَإِنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ , وَيَضْمَنُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا , أَوْ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا. فَفِي ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلَافِ , مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ ثُمَّ وَجَدْنَا فِي حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ الْهُذَلِيِّ , عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ , فِي مَمْلُوكٍ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ» فَبَيَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا عَتَقَ نَصِيبُ صَاحِبِهِ. فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْعَتَاقَ مَتَى وَقَعَ فِي بَعْضِ الْعَبْدِ , انْتَشَرَ فِي كُلِّهِ. وَقَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ فِي الْعَبْدِ بَيْنَ اثْنَيْنِ , إِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا , وَلَا مَالَ لَهُ , يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ بِالضَّمَانِ بِالسِّعَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ , فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ فِي الْمَرَضِ كَذَلِكَ , وَأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَالَ أَنْ يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِمْ , ضَمَانُ مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ , الَّذِي لِلْمَيِّتِ , أَنْ يُوصِيَ بِهِ , وَيُمَلِّكَهُ فِي مَرَضِهِ مَنْ حَبَّ مِنْ قِيمَتِهِمْ , وَجَبَ عَلَيْهِمُ السِّعَايَةُ فِي ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي يُوسُفَ , وَمُحَمَّدٍ , رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى بَابُ الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ لِقَرَابَتِهِ، أَوْ لِقَرَابَةِ فُلَانٍ مِنْهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِثُلُثِ مَالِهِ , لِقَرَابَةِ فُلَانٍ مَنْ هُمْ؟ الْقَرَابَةُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ. فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ: هُمْ كُلُّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ , مِنْ فُلَانٍ , مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ , أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ , غَيْرَ أَنَّهُ يَبْدَأُ فِي ذَلِكَ , بِمَنْ كَانَتْ قَرَابَتُهُ مِنْهُمْ , مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ , عَلَى مَنْ كَانَتْ قَرَابَتُهُ مِنْهُ , مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُوصِي لِقَرَابَتِهِ عَمٌّ , وَخَالٌ , فَقَرَابَةُ عَمِّهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ , كَقَرَابَةِ خَالِهِ مِنْهُ , مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ , فَلْيَبْدَأْ فِي ذَلِكَ , بِعَمِّهِ عَلَى خَالِهِ , فَيَجْعَلُ الْوَصِيَّةَ لَهُ. وَقَالَ زَفَرُ رَحِمَهُ اللهُ: الْوَصِيَّةُ لِكُلِّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ , أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ , دُونَ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْهُ. وَسَوَاءٌ كَانَ فِي ذَلِكَ , بَيْنَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ , ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ , وَبَيْنَ مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ غَيْرَ مُحَرَّمٍ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى: الْوَصِيَّةُ فِي ذَلِكَ ; لِكُلٍّ مَنْ جَمَعَهُ وَفُلَانًا , أَبٌ وَاحِدٌ , مُنْذُ كَانَتِ الْهِجْرَةُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ , أَوْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ , بَيْنَ مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ. وَبَيْنَ مَنْ قَرُبَ , وَبَيْنَ مَنْ كَانَتْ رَحِمُهُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ. وَلَمْ يُفَضِّلَا فِي ذَلِكَ , مَنْ كَانَتْ رَحِمُهُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ , عَلَى مَنْ كَانَتْ رَحِمُهُ , مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْوَصِيَّةُ فِي ذَلِكَ , لِكُلٍّ مَنْ جَمَعَهُ وَفُلَانًا , أَبُوهُ الرَّابِعُ إِلَى مَا هُوَ أَسْفَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْوَصِيَّةُ فِي ذَلِكَ ; لِكُلٍّ مَنْ جَمَعَهُ وَفُلَانًا , أَبٌ وَاحِدٌ , فِي الْإِسْلَامِ , أَوْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , مِمَّنْ يَرْجِعُ بِآبَائِهِ , أَوْ بِأُمَّهَاتِهِ إِلَيْهِ , أَبًا غَيْرَ أَبٍ , أَوْ أُمًّا غَيْرَ أُمٍّ , إِلَى أَنْ تَلْقَاهُ , مِمَّا ثَبَتَتْ بِهِ الْمَوَارِيثُ , أَوْ تَقُومُ بِهِ الشَّهَادَاتُ. وَإِنَّمَا جَوَّزَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الْوَصِيَّةَ لِلْقَرَابَةِ , عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ , إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الْقَرَابَةُ قَرَابَةً تُحْصَى وَتُعْرَفُ. فَإِنْ كَانَتْ لَا تُحْصَى وَلَا تُعْرَفُ , فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ بِهَا بَاطِلَةٌ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهَا لِفُقَرَائِهِمْ , فَتَكُونَ جَائِزَةً لِمَنْ رَأَى الْوَصِيُّ دَفْعَهَا إِلَيْهِ مِنْهُمْ. وَأَقَلُّ مَنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا مِنْهُمْ , اثْنَانِ فَصَاعِدًا , فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُ اللهُ: إِنْ دَفَعَهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ. فَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْقَرَابَةِ مِنْهُمْ , هَذَا الِاخْتِلَافَ , وَجَبَ أَنْ نَنْظُرَ فِي ذَلِكَ , لِنَسْتَخْرِجَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ هَذِهِ , قَوْلًا صَحِيحًا.
- المصدر
- شرح معاني الآثار للطحاوي
- الصفحة أو الرقم
- 7391
