اللطائف من دقائق المعارف

حديث عن عائشة أم المؤمنين

أبو موسى المديني · صحيح

جَلَسَ إحدى عَشْرةَ امْرَأةً يَتَذاكَرْنَ مِن أمْرِ أزْواجِهنَّ شَيئًا، فقالَتِ الأُولى: زَوْجي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ على ظَهْرِ جَبَلٍ، لا سَهْلٌ فيُرْتَقى ، ولا سَمينٌ فيُنْتقَلُ، وقالَتِ الثَّانِيةُ: [زَوْجي] لا أَبُثُّ خَبَرَه ، وإنِّي لَأَخافُ ألَّا أَذَرْه، إن أَذكُرْه أَذكُرْ عُجَرَه وبُجَرَه ، وقالَتِ الثَّالِثةُ: زَوْجي العَشَنَّقُ ، إن أَنطِقْ أُطَلَّقْ، وإن أَسكُتْ أُعَلَّقْ، قالَتِ الرَّابِعةُ: زَوْجي إن أكَلَ لَفَّ، وإن شَرِبَ اشْتَفَّ، وإن اضْطَجَعَ الْتَفَّ، ولا يُولِجُ الكَفَّ ليَعلَمَ البَثَّ ، قالَتِ الخامِسةُ: زَوْجي إن دَخَلَ فَهِدَ وإن خَرَجَ أَسِدَ ، ولا يَسأَلُ عمَّا عَهِدَ ، قالَتِ السَّادِسةُ: زَوْجي طَويلُ العِمادِ، عَظيمُ الرَّمادِ ، قَريبُ البَيْتِ مِن النَّادِ، قالَتِ السَّابِعةُ: زَوْجي المَسُّ مَسُّ أَرنَبٍ ، والرِّيحُ ريحُ زَرْنَبٍ ، قالَتِ الثَّامِنةُ: زَوْجي عَياياءُ طَباقاءُ ، كلُّ داءٍ له داءٌ، شَجَّك أو فَلَّك أو جَمَعَ كُلًّا لك، وقالَتِ التَّاسِعةُ: زَوْجي كَليلِ تِهامةَ لا حَرٌّ ولا قَرٌّ، ولا مَخافةَ ولا سآمةَ، قالَتِ العاشِرةُ: زَوْجي مالِكٌ، و[ما] مالِكٌ؟! [مالِكٌ] خَيْرٌ مِن ذلك، له إبِلٌ قَليلاتُ المَسارِحِ ، عَظيماتُ المَبارِكِ، إذا سَمِعْنَ صَوْتَ المَزاهِرِ أَيقَنَّ أنَّهنَّ هَوالِكُ، قالَتِ الحادِيةَ عَشْرةَ: [زَوْجي] أبو زَرْعٍ، وما أبو زَرْعٍ؟! أَناسَ مِن حُلِيِّ أُذُنيَّ ، ومَلَأَ مِن شَحْمِ عَضُديَّ، وبَجَّحَني فبَجِحَتْ إليَّ نَفْسي ، ووَجَدَني في أهْلِ غُنَيْمةٍ بشِقٍّ، فجَعَلَني في صَهيلٍ وأَطيطٍ ودائِسٍ ومُنَقٍّ، وعِندَه أَقولُ فلا أُقَبَّحُ ، وأَرقُدُ فأَتَصَبَّحُ، وأَشرَبُ فأَتَقَمَّحُ، أُمُّ أبي زَرْعٍ: [يَعْني] وما أُمُّ أبي زَرْعٍ؟! عُكومُها رَدَاحٌ ، وبَيْتُها فَساحٌ ، ابنُ أبي زَرْعٍ، وما ابنُ أبي زَرْعٍ؟!مَضجَعُه كمَسَلِّ شَطْبةٍ ، وتُشبِعُه ذِراعُ الجَفْرةِ، بِنْتُ أبي زَرْعٍ، وما بِنْتُ أبي زَرْعٍ؟!مِلْءُ كِسائِها، وغَيْظُ جارتِها ، جارِيةُ أبي زَرْعٍ، فما جارِيةُ أبي زَرْعٍ؟! لا تَبُثُّ حَديثَنا تَبْثيثًا ، ولا تَنَقِّثُ مِيرتَنا تَنْقيثًا ، ولا تَملَأُ بَيْتَنا تَعْشيشًا ، قالَتْ عائِشةُ -رَضِيَ اللهُ عنها: حتَّى ذَكَرَتْ كَلْبَ أبي زَرْعٍ!ثُمَّ إنَّ أبا زَرْعٍ خَرَجَ والأوْطابُ تُمخَضُ ، فمَرَّ بجارِيةٍ شابَّةٍ تَلعَبُ مِن تحتِ دِرْعِها بالرُّمَّانَتينِ -كَذا قالَ، وفي سائِرِ الرِّواياتِ: فمَرَّ بامْرَأةٍ لها وَلَدانِ كالفَهْدَينِ يَلعَبانِ مِن تحتِ خَصْرِها برُمَّانَتَينِ-فأَعجَبَتْه-يَعْني: فنَكَحَها- فطَلَّقَني، فنَكَحْتُ بَعْدَه رَجُلًا شابًّا، فرَكِبَ فَرَسًا عَرَبيًّا، وأخَذَ رُمْحًا خَطِّيًّا، وأَراحَ علَيَّ نَعَمًا، وقالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ ومِيري أهْلَك ، قالَتْ: فلو جَمَعْتُ كُلَّ شيءٍ أَعْطانيه ما بَلَغَ ثَمَنَ آنيةِ أبي زَرْعٍ -كَذا قالَ، وفي غَيْرِ هذه الرِّوايةِ: ما بَلَغَ أَصفَرَ أو أَصغَرَ آنيةِ أبي زَرْعٍ- قالَتْ: فذَكَرْتُ ذلك لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ لي: كُنْتُ لكِ كأبي زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ.

غريب المفردات :
لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ:
الغث: الهزيل الذي يستغيث من هزاله، أي: يستترك ويستكره
لا سَهْلٌ فيُرْتَقى:
فيصعد فيه
لا أَبُثُّ خَبَرَه:
أي: لا أنشر حديثه ولا أظهره ولا أشيعه
عُجَرَه وبُجَرَه:
العجر: تعقد العصب والعروق في الجسد حتى تصير ناتئة، والمراد بها: عيوبه
زَوْجي العَشَنَّقُ:
هو الطويل العنق، وقيل: السيء الخلق، وقيل: هو الطويل بلا عنق
يُولِجُ:
الولوج: الدخول
ليَعلَمَ البَثَّ:
البث هنا: المرض الشديد
زَوْجي إن دَخَلَ فَهِدَ:
شبهته بالفهد؛ لأنه يوصف بالحياء وقلة الشر وكثرة النوم
وإن خَرَجَ أَسِدَ:
تصفه بالنشاط في الغزو
ولا يَسأَلُ عمَّا عَهِدَ:
وصفته بالغفلة عند دخول البيت على سبيل المدح له
عَظيمُ الرَّمادِ:
تصفه بالجود وكثرة الضيافة من اللحوم والخبز، فيكثر وقوده، فيكثر رماده
زَوْجي المَسُّ مَسُّ أَرنَبٍ:
الأرنب دويبة لينة المس ناعمة الوبر جدا
ريحُ زَرْنَبٍ:
الزرنب: نبات طيب الريح، وقيل: هو نوع من أنواع الطيب معروف
زَوْجي عَياياءُ:
هو الذي لا يلقح، وقيل: العنين الذي تعييه مباضعة النساء ويعجز عنها
طَباقاءُ:
هو المطبقة عليه أموره حمقا، وقيل: الذي يعجز عن الكلام فتنطبق شفتاه، وقيل: هو العيي الأحمق
فَلَّك:
الفل: الكسر والضرب، وقيل: الخصومة
تِهامةَ:
سميت بذلك من التهم وهو شدة الحر وركود الريح، وقيل: لتغير هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغير، وقيل: إن في أرض تهامة تهائم
ولا مَخافةَ:
ليس فيه ما يخاف منه
المَسارِحِ:
جمع مسرح، وهو الموضع الذي تطلق لترعى فيه
أَناسَ مِن حُلِيِّ أُذُنيَّ:
النوس: الحركة من كل شيء متدل، ومعناه: حلاني قرطة وشنوفا، فهي تنوس؛ أي: تتحرك لكثرتها
وبَجَّحَني فبَجِحَتْ إليَّ نَفْسي:
يقال: بجح بالشيء إذا فرح به، تريد: أنه سرني وفرحني بتوالي إحسانه إلي، فسرني السرور في نفسي، وتبين موقعه مني، أو ففرحت نفسي، وأظهرت إلي فرحها
ودائِسٍ:
الدائس: هو الذي يدوس الزرع في بيدره
فلا أُقَبَّحُ:
أي: فلا يقال لي: قبحك الله، أو لا يقبح قولي
عُكومُها:
العكوم: الأعدال والأوعية التي فيها الطعام والأمتعة
رَدَاحٌ:
الثقيل لكثرة ما فيه من الثمار، وقيل: العظام الكبيرة
وبَيْتُها فَساحٌ:
أي: واسع
مَضجَعُه كمَسَلِّ شَطْبةٍ:
المسل بمعنى السل يقام مقام المسلول أي: ما سل من قشره
وغَيْظُ جارتِها:
غامت السماء: إذا أطبق بها السحاب
لا تَبُثُّ حَديثَنا تَبْثيثًا:
أي: لا تشيعه وتظهره، بل تكتم سرنا وحديثنا كله
ولا تَنَقِّثُ مِيرتَنا تَنْقيثًا:
معناه: لا تفسده ولا تفرقه ولا تذهب به، أي: وصفها بالأمانة
ولا تَملَأُ بَيْتَنا تَعْشيشًا:
أي: أنها مصلحة للبيت مهتمة بتنظيفه وإلقاء كناسته وإبعادها منه
والأوْطابُ تُمخَضُ:
تمخض، أي: أن عندهم ما يكفيهم من اللبن ويفضل حتى يمخضوه ويستخرجوا زبده
ومِيري أهْلَك:
أي: صليهم وأوسعي عليهم بالميرة، وهو الطعام
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي
عائشة أم المؤمنين
المحدِّث
أبو موسى المديني
المصدر
اللطائف من دقائق المعارف
الصفحة أو الرقم
908
التخريج
أخرجه البخاري ‏‏(5189)، ومسلم ‏‏(2448)، والنسائي ‏في ((الكبرى)) ‏‏(9089)‏