شرح مشكل الآثار للطحاوي
حديث شريف
وَحَدَّثَنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ ⦗١٧⦘ فَفِيمَا رُوِّينَا مِنْ هَذِهِ الْآثَارِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِيهَا عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْعِهِ مِنَ الصَّوْمِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا، وَفِيهَا إخْبَارُ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ مِمَّا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِي مَنْعِهِ , فَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ أَيْنَ اتَّسَعَ لَكُمْ أَنْ تَمِيلُوا فِي هَذِهِ إلَى مَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ عَنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ وَتَتْرُكُوا مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ الْفَضْلِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يُخَالِفُهُ دُونَ أَنْ تُصَحِّحُوهُمَا جَمِيعًا فَتَجْعَلُونَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إخْبَارًا مِنْهُمَا عَنْ حُكْمِهِ، كَانَ فِي ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَتَجْعَلُونَ حَدِيثَ الْفَضْلِ عَنْهُ فِي حُكْمِ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ حَتَّى لَا يُضَادَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمَعْنَى الْآخَرَ مِنْهُمَا، فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا عَنْهُ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ فِي نَفْسِهِ كَانَ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ سَائِرِ أُمَّتِهِ فِيهِ وَذَلِكَ: ٥٤٠ -أَنَّ يُونُسَ قَدْ حَدَّثَنَا قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكًا، أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَنَا أَسْمَعُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي أُصْبِحُ جُنُبًا وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَأَنَا أُصْبِحُ جُنُبًا، وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ فَأَغْتَسِلُ وَأَصُومُ " فَقَالَ الرَّجُلُ: إنَّكَ لَسْتَ مِثْلَنَا قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: " وَاللهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي " ⦗١٨⦘ وَلَمَّا وَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى اسْتِوَاءِ حُكْمِهِ وَحُكْمِ سَائِرِ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ عَقَلْنَا أَنَّ ذَيْنَكَ الْمَعْنَيَيْنِ قَدْ كَانَا حُكْمَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى نَسَخَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَكَانَ مَا فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ مِنْهُمَا التَّغْلِيظَ، وَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ التَّخْفِيفَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا أَنَّ النَّسْخَ بِلَا مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ، وَرَدُّ التَّغْلِيظِ إلَى التَّخْفِيفِ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْ أَجْلِهِ هَذَا النَّسْخُ مَعْصِيَةً يَكُونُ مَعَهَا التَّغْلِيظُ، فَجَعَلْنَا النَّسْخَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَانَ مِنَ التَّغْلِيظِ إلَى التَّخْفِيفِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ دُونَ مَا فِي حَدِيثِ الْفَضْلِ مَعَ أَنَّا قَدْ وَجَدْنَا كِتَابَ اللهِ قَدْ أَوْجَبَ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِيهِ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: ١٨٧] إلَى قَوْلِهِ: {إلَى اللَّيْلِ} [البقرة: ١٨٧] وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ إتْيَانِ النِّسَاءِ فِي اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَا يَكُونُ الِاغْتِسَالُ الَّذِي يُوجِبُهُ ذَلِكَ الْإِتْيَانُ إلَّا فِي النَّهَارِ، وَفِي ذَلِكَ مَا يُبِيحُ الصَّوْمَ مَعَ الْجَنَابَةِ، وَفِيهِ مُوَافَقَةُ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ، وَمِمَّا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ مِمَّا يُوَافِقُ هَذَا الْمَعْنَى
- المصدر
- شرح مشكل الآثار للطحاوي
- الصفحة أو الرقم
- 539
