شرح مشكل الآثار للطحاوي

حديث عن سهل بن سعد

أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ " قَالَ: فَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَتَدْرُونَ مَا التُّرْعَةُ؟ هِيَ الْبَابُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ " ⦗٣٢٣⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْبَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى خِلَافِ الرَّوْضَةِ , وَهُوَ التُّرْعَةُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَيَكُونُ قَبْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِمَّا فِي رَوْضَةٍ سِوَى تِلْكَ الرَّوْضَةِ مِمَّا هُوَ أَجَلُّ مِنْهَا وَأَنْعَمُ وَأَرْفَعُ مِقْدَارًا ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْبَرُهُ بَلَّغَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجُلُوسِهِ وَبِقِيَامِهِ عَلَيْهِ مَا بَلَّغَهُ كَانَ قَبْرُهُ الَّذِي قَدْ تَضَمَّنَ بَدَنَهُ فَصَارَ لَهُ مَثْوًى بِذَلِكَ أَوْلَى وَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَحْرَى , وَالْجَنَّةُ فَفِيهَا رَوْضَاتٌ لَا رَوْضَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} فَيَجُوزُ إِنْ كَانَ قَبْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَوْضَةٍ مِنْ هَذِهِ الرَّوْضَاتِ أَنْ تَكُونَ رَوْضَةً فَوْقَ الرَّوْضَةِ الَّتِي بَيْنَ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ , وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الرَّوْضَةِ مِمَّا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الرَّوْضَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا يَجْمَعُ الرَّوْضَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا شَرَّفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ وَأَعْلَى بِهِ مَنْزِلَتَهُ , وَأَثَابَهُ بِهِ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ سِوَاهُ وَاخْتَصَّهُ بِهِ دُونَ بَقِيَّتِهِمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ " عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْآثَارِ , وَعَلَى مَا فِي سِوَاهُ مِنْهَا مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ , فَكَانَ تَصْحِيحُهُمَا يَجِبُ بِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْتُهُ هُوَ قَبْرَهُ , وَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ ; لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْفَى عَلَى كُلِّ نَفْسٍ سِوَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَرْضَ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا ; بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: ٣٤] , فَأَعْلَمَهُ عَزَّ ⦗٣٢٤⦘ وَجَلَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ يَمُوتُ , وَالْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُهُ حَتَّى عَلِمَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَحَتَّى أَعْلَمَهُ مَنْ أَعْلَمَهُ مِنْ أُمَّتِهِ فَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ لَا مَنْزِلَةَ فَوْقَهَا زَادَهُ اللهُ شَرَفًا وَخَيْرًا , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِ حَسَنًا، وَحُسَيْنًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مِنْ قَوْلِهِ: " مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ , وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ "

الراوي (مستخرج من السند)
سهل بن سعد
المصدر
شرح مشكل الآثار للطحاوي
الصفحة أو الرقم
2884