شعب الإيمان للبيهقي
حديث شريف
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن حمدان بن المرزبان الجلاب بهمذان، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين بن ديزيل- ح الأنصاري وعبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعلقمة بن وقاص الليثي، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله منه، فكلهم حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت لها اقتصاصا، وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني [عن عائشة وبعضهم يصدق وإن كان بعضهم أوعى من بعصْ زعموا أن] عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فايتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه، قالت عائشة: فاقرع بيننا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها، فخرج سهمي فخرج بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[معه فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه، فلما فرغنا ورجع النبي - صلى الله عليه وسلم -، من غزوته تلك، أذن ليلة بالرحيل، فخرجتُ حين أذنوا بالرحيل فمشيتُ، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي جزع أظفار قوإنقطع، فخرجت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا هودجي، فرحلوه على بعيرى الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن، ولم يحملن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين حملوه، وكنت جارية حدلثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدى بعدما استمر الجيش، فجئتُ منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي، فبينا أنا جالسة إذ غلبتني عيناي فنمتُ وكان صفوان بن المعطل الصفواني ثم الذكراني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رأني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حيرْ عوفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمته بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه حين عرفني، حتى أناخ راحلته ووطئ على يدها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، وهلك في من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله ابن أبي ابن سلول، فقدمنا المدينة، فشكيت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، وأنا لا أشعر [بشيء من ذلك غير أنه يريبني أني لا أعرف من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذلك الذي يريبني، وأنا لا أشعر] بالشر حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا لا نخرج إليها إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وإنما أمرنا أمر العرب الأولى في البرية قبل الغائط، وكنا نتاذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، وأم مسطح هي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئسما قلت [أتسبين رجلًا شهد بدرًا يا أمتاه، قالت: أوما علمت أوما سمعت ما قال: قلتُ]: وماذا قال: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلما دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كيف تبكم؟ " فقلت له: ائذن لي أن أتي أبوي، وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتيت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه! ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك هذا الشأن فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا، قالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت ثم أصبحت، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فإنه أشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من الود لهم، قال: يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء لكثير سواها وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريرة فقال: "يا بريرة هل رأيت على عائشة شيئًا تنكرينه عليها؟ " قالت: لا، والذي بعثك بالحق ما رأيت على عائشة شيئًا أغمصه عليها غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، قالت عائشة: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر حين استلبث الوحي يستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا وهو معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، فقام سعد بن عبادة الخزرجي- وهو سيد الخزرج- وكان قبل ذلك رجلًا صالحا، ولكن احتملته الحمية- فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام سعد ابن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم حتى سكتوا، قالت عائشة: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ولا أظن البكاء إلا فالق كبدي، قالت: فبينا أنا أبكي وأبواي عندي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار فاذنت لها فجلست تبكي معنا، فبينا نحن على ذلك إذ دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم، ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين جلس ثم قال: "يا عائشة أما بعد: فقد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه".
- المصدر
- شعب الإيمان للبيهقي
- الصفحة أو الرقم
- 6628
