١ -عن أبي لُبابةَ بنِ عبدِ المنذرِ الأنصاريِّ قال استسقى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ الجمعةِ وقال اللهمَّ اسقِنا اللهمَّ اسقِنا فقام أبو لُبابةَ فقال يا رسولَ الله ِإنَّ التَّمرَ في المرابدِ وما في السماء من سحابٍ نراه فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللهمَّ اسقِنا فقام أبو لُبابةَ فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ التَّمرَ في المرابدِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللهمَّ اسقِنا حتى يقول أبو لُبابةَ يسد ثعلبَ مِربَدِه بإزارِه فاستهلَّت السماءُ ومطرت وصلى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأتى [ القومُ ] أبا لُبابةَ يقولون له يا أبا لُبابةَ إنَّ السماءَ واللهِ لن تُقلِعَ حتى تقوم عُريانًا فتسدُّ ثَعلبَ مِربدِك بإزارِك كما قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال فقام أبو لُبابةَ عُريانًا يسدُّ ثعلبَ مِربدِه بإزارِه فأقلعتِ السماءُ
بحث
البحث في الأحاديث النبوية
٢٩ نتيجة
٢ -عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ قال خرجتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من مكةَ فانتهينا إلى حيٍّ من أحياء العربِ فنظر رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بيتٍ مُنتَحِيًا فقصد إليه فلما نزلْنا لم يكن فيه إلا امرأةٌ فقالت يا عبدَ اللهِ إنما أنا امرأةٌ وليس معي أحدٌ فعليكما بعظيمِ الحيِّ إن أردتُم القِرى قال فلم يُجِبْها وذلك عند المساءَ فجاء ابنٌ لها بأعنُزٍ يسوقها فقالت يا بنيَّ انطلِق بهذه العَنزِ والشَّفرةِ إلى هذين الرجلَينِ فقُل لهما تقول لكما أمِّي اذبحَا هذه وكلا وأطعمانا فلما جاء قال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ انطلِقْ بالشَّفرةِ وجئْني بالقدحِ قال إنها قد عزبتْ وليس بها لبنٌ قال انطلق فجاء بقدحٍ فمسح النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ضرعَها ثم حلب حتى ملأ القدحَ ثم قال انطلق به إلى أَمِّك فشربتْ حتى رويتْ ثم جاء به فقال انطلِق بهذه وجِئْني بأخرى ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكرٍ ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فبِتْنا ليلتَنا ثم انطلقْنا فكانت تُسمِّيه المباركَ وكثرتْ غنمُها حتى جلبتْ جلبًا إلى المدينةِ فمرَّ أبو بكرٍ فرأى ابنَها فعرفه فقال يا أُمَّه هذا الرجلُ الذي كان مع المباركِ فقامت إليه فقالت يا عبدَ اللهِ مَن الرجلُ الذي كان معك قال أو ما تدرين من هو قالت لا قال هو نبيُّ اللهِ قالت فأدخِلْني عليه قال فأدخلها فأطعَمها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأعطاها قالت فدُلَّني عليه فانطلقتْ معي وأهدتْ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيئًا من أَقِطٍ ومتاعِ الأعرابِ قال فكساها وأعطاها قال ولا أعلمُه إلا قال وأسلمتْ
- أَقِطٍ:
- هو لبن مجفف يابس مستحجر غير منزوع الزبد يطبخ به
٣ -عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ قال يا سبحانَ اللهِ ما أزهد كثيرًا من الناسِ في خيرٍ عجبًا لرجلٍ يجيئُه أخوه المسلمُ في الحاجةِ فلا يرى نفسَه للخيرِ أهلًا فلو كان لا يرجو ثوابًا ولا يخشى عقابًا لكان ينبغي له أن يسارعَ في مكارمِ الأخلاقِ فإنها تدل على سبيلِ النجاحِ فقام إليه رجلٌ فقال فداك أبي وأمي يا أميرَ المؤمنين سمعتُه من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال نعم وما هو خيرٌ منه لما أتى بسبايا طيِّءٍ وقفتْ جاريةٌ حمراءُ لعساءُ دلفاءُ عيطاءُ شماءُ الأنفِ معتدلةُ القامةِ والهامةِ درماءُ الكعبَينِ خدلَّةُ الساقَينِ لفَّاءُ الفخِذَينِ خميصةُ الخَصرَينِ ضامرةُ الكشحَينِ مصقولةُ المتْنَينِ قال فلما رأيتُها أعجبتُ بها وقلتُ لأطلبنَّ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يجعلها في فَيْئي فلما تكلمتْ أنسيتُ جمالَها من فصاحتِها فقالت يا محمدُ إن رأيتَ أن تُخلِّيَ عنا ولا تُشمِتْ بنا أحياءَ العربِ فإني ابنةُ سيِّدُ قومي وإنَّ أبي كان يحمي الذِّمارَ ويفكُّ العاني ويشبعُ الجائعَ ويكسو العاريَ ويَقري الضيفَ ويطعمُ الطعامَ ويفشِ السلامَ ولم يردَّ طالبَ حاجةٍ قطُّ أنا ابنةُ حاتمِ طيءٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يا جاريةُ هذه صفة المؤمنين حقًّا لو كان أبوك مسلمًا لترحَّمْنا عليه خلُّوا عنها فإنَّ أباها كان يحبُّ مكارمَ الأخلاقِ واللهُ يحبُّ مكارمَ الأخلاقِ فقام أبو بردةَ بنُ نيارٍ فقال يا رسولَ اللهِ تحبُّ مكارمَ الأخلاقِ فقال رسولُ اللهِ والذي نفسي بيده لا يدخلُ أحدٌ الجنةَ إلا بحُسنِ الخُلُقِ
٤ -قال العباسُ خرجتُ في تجارةٍ إلى اليمن في ركبٍ منهم أبو سفيانَ بنُ حربٍ فقدمتُ اليمنَ فكنت أصنعَ يومًا طعامًا وأنصرفُ بأبي سفيانَ وبالنَّفرِ ويصنع أبو سفيانَ يومًا ويفعل مثلَ ذلك فقال لي في يومي الذي كنتُ أصنعُ فيه هل لك يا أبا الفضلِ أن تنصرفَ إلى بيتي وتُرسِلَ إلى غدائِك فقلتُ نعم فانصرفتُ أنا والنَّفرُ إلى بيتِه وأرسلتُ إلى الغداءِ فلما تغدَّى القومُ قاموا واحتبَسني فقال هل علمتَ يا أبا الفضلِ أنَّ ابنَ أخيك يزعم أنه رسولُ اللهِ فقلتُ أي بُنيَّ أخي فقال أبو سفيانَ إياي تكتُم وأيُّ بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجلٌ واحدٌ قلتُ وأيُّهم على ذلك قال هو محمدُ بنُ عبدِ اللهِ فقلتُ قد فعل قال بلى قد فعل وأخرج كتابًا باسمِه من أبيه حنظلةَ بنِ أبي سفيانَ فيه أخبرك أنَّ محمدًا قام بالأبطحِ فقال أنا رسولٌ أدعوكم إلى اللهِ عزَّ وجلَّ فقال العباسُ قلتُ أجدُه يا أبا حنظلةَ صادقًا فقال مهلًا يا أبا الفضلِ فواللهِ ما أُحِبُّ أن يقولَ مثل هذا إني لا أخشى أن يكون على ضَيرٍ من هذا الحديثِ يا بني عبدِ المطلبِ إنه واللهِ ما برِحَتْ قريشٌ تزعم أنَّ لكم هَنَةً وهَنَةُ كلِّ واحدةٍ منهما غايةٌ لنشدتُك يا أبا الفضلِ هل سمعتَ ذلك قلتُ نعم قد سمعتُ قال فهذه والله شُؤمتُكم قلتُ فلعلَّها يُمنتُنا قال فما كان بعد ذلك إلا ليالٍ حتى قدم عبدُ اللهِ بنُ حُذافةَ بالخبر وهو مؤمنٌ ففشا ذلك في مجالس اليمنِ وكان أبو سفيانَ يجلس مجلسًا باليمنِ يتحدَّثُ فيه حَبرٌ من أحبار اليهودِ فقال له اليهوديُّ ما هذا الخبرُ بلغني أنَّ فيكم عمَّ هذا الرجلِ الذي قال ما قال قال أبو سفيانَ صدقوا وأنا عمُّه فقال اليهوديُّ أخو أبيه قال نعم قال فحدِّثْني عنه قال لا تسألْني ما أُحبُّ أن يدَّعِي هذا الأمرَ أبدًا وما أُحبُّ أن أعيبَه وغيره خيرٌ منه فرأى اليهوديُّ أنه لا يغمِس عليه ولا يحب أن يَعيبَه فقال اليهوديُّ ليس به بأسٌ على اليهود وتوراةِ موسى قال العباسُ فناداني الحَبرُ فجئتُ فخرجتُ حتى جلستُ ذلك المجلسَ من الغدِ وفيه أبو سفيانَ بنُ حربٍ والحَبرُ فقلتُ للحَبرِ بلَغني أنك سألتَ ابنَ عمي عن رجلٍ منا زعم أنه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأخبرك أنه عمُّه وليس بعمِّه ولكن ابنُ عمِّه وأنا عمُّه وأخو أبيه قال أخو أبيه قلتُ أخو أبيه فأقبل على أبي سفيانَ قال صدق قال نعم صدق فقلتُ سَلْني فإن كذبْتُ فليَرُدَّ عليَّ فأقبل عليَّ فقال نشدتُك هل كان لابنِ أخيك صبوةٌ أو سفهةٌ قلتُ لا وإلهِ عبدِ المطلبِ ولا كذب ولا خان وإنه كان اسمُه عند قريشٍ الأمينِ قال فهل كتب بيدِه قال العباسُ فظننتُ أنه خيرٌ له أن يكتبَ بيدِه فأردتُ أن أقولَها ثم ذكرتُ مكانَ أبي سفيان يُكذِّبُني ويرد عليَّ فقلت ُلا يكتب فوثَب الحَبرُ ونزل رداؤه وقال ذبحتْ يهودُ وقتلت يهودُ قال العباسُ فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيانَ يا أبا الفضلِ إنَّ اليهودَ تفزعُ من ابنِ أخيك قلتُ قد رأيتَ ما رأيتَ فهل لك يا أبا سفيانَ أن تؤمنَ به فإن كان حقًّا كنتَ قد سُبقتَ وإن كان باطلًا فمعك غيرُك من أكفائِك قال لا أؤمنُ به حتى أرى الخيلَ في كَداءَ قلتُ ما تقول قال كلمةٌ جاءت على فَمي إلا أني أعلمُ أنَّ اللهَ لا يترك خيلًا تطلع من كَداءَ قال العباسُ فلما استفتح رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مكةَ ونظرنا إلى الخيلِ وقد طلعت من كَداءَ قلتُ يا أبا سفيانَ تَذكُرُ الكلمةَ قال أي واللهِ إني لذاكرُها فالحمدُ لله الذي هداني للإسلامِ
- كَداءَ:
- ثنية من أعلى مكة، مما يلي المقبرة
- كَداءَ:
- ثنية من أعلى مكة، مما يلي المقبرة
- كَداءَ:
- ثنية من أعلى مكة، مما يلي المقبرة
- أي واللهِ:
- إي: بمعنى نعم
٥ -عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ قال لما سار رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى تبوكَ جعل لا يزال الرجلُ يتخلَّفُ فيقولون يا رسولَ اللهِ تخلَّفَ فلانٌ فيقول دعوه إن يكُ فيه خيرٌ فسيلحقُه اللهُ بكم وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم اللهُ منه حتى قيل يا رسولَ اللهِ تخلَّفَ أبو ذرٍّ وأبطأ به بعيرُه فقال دعوه إن يك فيه خيرٌ فسيُلحِقُه اللهُ بكم وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكمُ اللهُ منه فتلوَّم أبو ذرٍّ على بعيرِه فلما أبطأ عليه أخذ متاعَه فجعله على ظهرِه ثم خرج يتبعُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ماشيًا ونزل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بعضَ منازلِه ونظر ناظرٌ من المسلمِين فقال يا رسولَ اللهِ إنَّ هذا الرجلَ ماشٍ على الطريقِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كُنْ أبا ذرٍّ فلما تأمَّلَه القومُ قالوا يا رسولَ اللهِ هو واللهِ أبو ذرٍّ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يرحمُ اللهُ أبا ذرٍّ يمشي وحدَه ويموتُ وحدَه ويُبعَثُ وحدَه قال فضرب ضرْبَه وسُيِّر أبو ذرٍّ إلى الرَّبَذَةِ فلما حضره الموتُ أوصى امرأتَه وغلامَه فقال إذا متُّ فاغسلاني وكفِّناني من الليلِ ثم ضَعاني على قارعةِ الطريقِ فأولُ رَكْبٍ يمُرُّون بكم فقولوا هذا أبو ذرٍّ فلما مات فعلوا به كذلك فاطَّلَع ركبٌ فما علموا به حتى كادت ركابُهم تطأُ سريرَه فإذا ابنُ مسعودٍ في رهطٍ من أهلِ الكوفةِ فقال ما هذا فقيل جنازةُ أبي ذرٍّ فاستهلَّ ابنُ مسعودٍ يبكي وقال صدق رسولُ اللهِ يرحمُ اللهُ أبا ذرٍّ يمشي وحدَه ويموتُ وحدَه ويُبعث وحدَه فنزل فولِيَه بنفسِه حتى أَجَنَّه
- أبطأ:
- أي: تأخر واحتبس
- أبطأ:
- أي: تأخر واحتبس
- قارعةِ الطريقِ:
- الطريق التي يقرعها الناس بأرجلهم
٦ -لما كان في غزوةِ تبوكَ فسارع الناسُ إلى أهل الحجرِ يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنادى في الناسِ الصلاةُ جامعةٌ قال فأتيت النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو يمسك بعيرَه وهو يقول ما تدخلون على قومٍ غضب اللهُ عليهم فناداه رجلٌ نعجب يا رسولَ اللهِ قال أفلا أُنبِّئُكم بأعجبَ من ذلك رجلٌ من أنفسكم يُنبِّئكم بما كان قبلَكم وما هو كائنٌ بعدكم فاستقيموا وسدِّدوا فإنَّ اللهَ لا يعبأ بعذابِكم شيئًا وسيأتي قومٌ لا يدفعون عن أنفسِهم شيئًا
٧ -عن سَلْمانَ يحدِّثُ كيفَ كانَ أوَّلُ إسلامهِ أنَّهُ كانَ من رامَهُرْمُزَ وكانَ لهُ أخٌ أكبرُ منهُ غنيٌّ وكانَ سَلْمانُ فقيرًا في كَنَفِ أَخيهِ وأنَّ ابنَ دِهْقَانِهَا كانَ صاحبًا لهُ وكان يختلِفُ معهُ إلى مُعلِّمٍ لهم وأنَّهُ كانَ يختلِفُ ذلكَ الغلامُ إلى عُبَّادٍ منَ النَّصارى في كهفٍ لهم فسألهُ سَلْمانُ أن يذهبَ بهِ معهُ إليهم فقالَ لهُ إنَّكَ غلامٌ وأخشى أن تنُمَّ عليهم فيقتلَهمْ أبي فالتزمَ لهُ أن لا يكونَ منهُ شيءٌ يكرههُ فذهبَ معهُ فإذا هم ستَّةٌ أو سبعةٌ كأنَّ الرُّوحَ قد خرجت منهم منَ العبادةِ يصومونَ النَّهارَ ويقومونَ اللَّيلَ يأكلونَ الشَّجرَ وما وجدوا فذكر عنهم أنَّهم يؤمِنونَ بالرُّسلِ المتقدِّمينَ وأنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولهُ وابنُ أَمَتهِ أيَّدهُ بالمعجزاتِ وقالوا لهُ يا غلامُ إنَّ لكَ ربًّا وإنَّ لكَ معادًا وإنَّ بينَ يديكَ جنَّةً ونارًا وإنَّ هؤلاءِ القومَ الَّذينَ يعبدونَ النِّيرانَ أهلُ كفرٍ وضلالةٍ لا يرضى اللَّهُ بما يصنعونَ وليسوا على دينهِ ثمَّ جعلَ يتردَّدُ معَ ذلكَ الغلامِ إليهم ثمَّ لزِمهم سَلْمانُ بالكلِّيَّةِ ثمَّ أجلاهم ملكُ تلكَ البلادِ وهوَ أبو ذلكَ الغلامِ الَّذي صحِبهُ سلمانُ إليهم عن أرضِهِ واحتبسَ الملكُ ابنَهُ عندهُ وعرضَ سلمانُ دينَهم على أخيهِ الَّذي هوَ أكبرُ منهُ فقالَ إنِّي مشتغلٌ بنفسي في طلبِ المعيشةِ فارتحَلَ معهم سلمانُ حتَّى دخلوا كنيسةَ الموصِلِ فسلَّمَ عليهم أهلُها ثمَّ أرادوا أن يتركوني عندهم فأبَيْتُ إلَّا صحِبتهم فخرجوا حتَّى أتَوا واديًا بينَ جبالٍ فتحدَّرَ إليهم رهبانُ تلكَ النَّاحيةِ يسلِّمونَ عليهم واجتمعوا إليهم وجعلوا يسألونهم عن غيبتِهم عنهم ويسألونَهم عنِّي فيثنونَ عليَّ خيرًا وجاءَ رجلٌ معظَّمٌ فيهم فخطبهم فأثنى على اللَّهِ بما هوَ أهلهُ وذكر الرُّسلَ وما أُيِّدوا بهِ وذكر عيسى ابنَ مريمَ وأنَّهُ كانَ عبدَ اللَّهِ ورسولَهُ وأمرهم بالخيرِ ونهاهم عنِ الشَّرِّ ثمَّ لمَّا أرادوا الانصرافَ تبِعهُ سلْمانُ ولزمهُ قالَ فكانَ يصومُ النَّهارَ ويقومُ اللَّيلَ منَ الأحدِ إلى الأحدِ فيخرجُ إليهم ويعظهم ويأمرهم وينهاهم فمكثَ على ذلكَ مدَّةً طويلةً ثمَّ أرادَ أن يزورَ بيتَ المقدسِ فصحبهُ سَلْمانُ إليهِ قالَ فكانَ فيما يمشي يلتفتُ إليَّ ويقبلُ عليَّ فيعظني ويخبرني أنَّ لي ربًّا وأنَّ بينَ يدَيَّ جنَّةً ونارًا وحسابًا ويعلِّمُني ويذكِّرُني نحوَ ما كانَ يذكِّرُ القومَ يومَ الأحدِ قالَ فيما يقولُ لي يا سلمانُ إنَّ اللَّهَ سوفَ يبعثُ رسولًا اسمهُ أحمدُ يخرجُ من تِهامَةَ يأكلُ الهديَّةَ ولا يأكلُ الصَّدقةَ بينَ كتفيهِ خاتَمُ النُّبوَّةِ وهذا زمانُهُ الَّذي يخرجُ فيهِ قد تقارب فأمَّا أنا فإنِّي شيخٌ كبيرٌ ولا أحسبُنِي أدرِكُهُ فإن أدركتَهُ أنتَ فصدِّقهُ واتَّبعْهُ قلتُ لهُ وإن أمرني بتركِ دينِكَ وما أنتَ عليهِ قالَ وإن أمركَ فإنَّ الحقَّ فيما يجيءُ بهِ ورِضَى الرَّحمنِ فيما قالَ ثمَّ ذكرَ قدومَهُما إلى بيتِ المقدِسِ وأنَّ صاحبَهُ صلَّى فيهِ هاهُنا وهاهُنا ثمَّ نامَ وقد أوصاهُ أنَّهُ إذا بلغَ الظِّلُّ مكانَ كذا أن يوقِظَهُ فتركهُ سلمانُ حينًا آخرَ أزْيَدَ ممَّا قالَ ليستريحَ فلمَّا استيقظَ ذكرَ اللَّهَ ولامَ سلمانَ على تركِ ما أمرهُ مِن ذلكَ ثمَّ خرجا من بيتِ المقدسِ فسألهُ مقعدٌ فقالَ يا عبدَ اللَّهِ سألتُكَ حينَ وصلتَ فلم تعطِني شيئًا وها أنا أسألُكَ فنظرَ فلم يجدْ أحدًا فأخذَ بيدهِ وقالَ قم بسمِ اللَّهِ فقامَ وليسَ بهِ بأسٌ ولا قَلَبَةٌ كأنَّما نُشِطَ من عِقالٍ فقالَ لي يا عبدَ اللَّهِ احمِل عليَّ متاعي حتَّى أذهبَ إلى أهلي فأبشِّرَهم فاشتغلتُ بهِ ثمَّ أدركتُ الرَّجلَ فلم ألحقهُ ولم أدْرِ أينَ ذهبَ وكلَّما سألتُ عنهُ قومًا قالوا أمامَكَ حتَّى لقِيَني ركبٌ منَ العربِ من بني كلبٍ فسألتهم فلمَّا سمعوا لغتي أناخَ رجلٌ منهم بعيرَهُ فحملني خلفَهُ حتَّى أتوا بي بلادَهم فباعوني فاشترتْني امرأةٌ منَ الأنصارِ فجعلَتْني في حائطٍ لها وقدِمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ ذكرَ ذَهابهُ إليهِ بالصَّدقةِ والهديَّةِ ليستعلمَ ما قال صاحبَهُ ثمَّ تطلَّبَ النَّظرَ إلى خاتمَِ النُّبوَّةِ فلمَّا رآهُ آمنَ مِن ساعتِهِ وأخبرَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ خبرَهُ الَّذي جَرى لهُ قال فأمرَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ فاشتراهُ من سيِّدتهِ فأعتقهُ ثمَّ قال سألتُهُ يومًا عن دينِ النَّصارَى فقالَ لا خيرَ فيهم قالَ فوقعَ في نفسي من أولئكَ الَّذينَ صحِبتُهم ومن ذلكَ الرَّجلِ الصَّالحِ الَّذي كانَ معيَ ببيتِ المقدسِ فدخلني من ذلكَ أمرٌ عظيمٌ حتَّى أنزلَ اللَّهُ على رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} فدعانِي رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فجئتُ وأنا خائِفٌ فجلستُ بينَ يديهِ فقرأَ بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} الآياتِ ثمَّ قالَ يا سلمانُ أولئِكَ الَّذينَ كنتَ معهم وصاحبُكَ لم يكونوا نصارَى كانوا مسلمينَ فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ والَّذي بعثكَ بالحقِّ لهوَ أمرني باتِّباعِكَ فقلتُ لهُ فإنْ أمرني بتركِ دينكَ وما أنتَ عليهِ قالَ نعَمْ فاترُكهُ فإنَّ الحقَّ وما يُرضِي اللَّهَ فيما يأمرُكَ
- أجلاهم:
- الإجلاء: الإخراج من الوطن كرها
- تِهامَةَ:
- سميت بذلك من التهم وهو شدة الحر وركود الريح، وقيل: لتغير هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغير، وقيل: إن في أرض تهامة تهائم
- واتَّبعْهُ:
- أي: أدركه ولحقه
- قِسِّيسِينَ:
- القسيس: هو العالم في لغة الروم، هو رئيس النصارى في العلم
- قِسِّيسِينَ:
- القسيس: هو العالم في لغة الروم، هو رئيس النصارى في العلم
٨ -كان الجارودُ بنُ المُعلَّى بنِ حنشِ بنِ مُعلَّى العبديُّ نصرانيًّا حسنَ المعرفةِ بتفسير الكتبِ وتأويلِها عالمًا بسِيَرِ الفرسِ وأقاويلِها بصيرًا بالفلسفةِ والطبِّ ظاهرَ الدّهاءِ والأدبِ كاملَ الجمالِ ذا ثروةٍ ومالٍ وأنه قدم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وافدًا في رجالٍ من عبدِ القَيس ِذوي آراءَ وأسنانَ وفصاحةٍ وبيانٍ وحُجَجٍ وبرهانٍ فلما قدم على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقف بين يدَيه وأشار إليه وأنشأ يقول يا نبيَّ الهدى أتتك رجالٌ قطَعْتَ فَدْفدًا وآلًا فآلا وطوتْ نحوَك الصَّحاصحَ تَهوي لا تُعدُّ الكلالَ فيك كلالا كلُّ بهماءَ قصَّر الطرفُ عنها أرقلتْها قلاصُنا إرقالًا وطوتها العِتاقُ يجمح فيها بكماةٍ كأنجُمٍ تتلالا تبتغي دفعَ بأسِ يومٍ عظيمٍ هائلٍ أوجعَ القلوبَ وهالا ومزادًا لمحشرِ الخلقِ طُرًّا وفراقًا لمن تمادى ضلالًا نحو نورٍ من الإله وبرهانٍ وبرٍّ ونعمةٍ أن تنالا خصَّك اللهُ يا ابنَ آمنةَ الخيرَ بها إذا أتت سِجالا سِجالا فاجعلِ الحظَّ منك يا حُجَّةَ اللهِ جزيلًا لا حظَّ خلَّف أحالا قال فأدناه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وقرَّب مجلسَه وقال له يا جارودُ لقد تأخَّر الموعودُ بك وبقومِك فقال الجارودُ فداك أبي وأمي أما من تأخر عنك فقد فاته حظُّه وتلك أعظمُ حُوبةً وأغلظُ عقوبةً وما كنتُ فيمن رآك أو سمِع بك فعدَاك واتَّبع سواك وإني الآنَ على دينٍ قد علمتَ به قد جئتُك وها أنا تارِكٌه لدِينك أفذلك مما يُمحِّصُ الذنوبَ والمآثمَ والحوبَ ويرضي الربَّ عن المربوب ِفقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنا ضامنٌ لك ذلك وأخلصِ الآن لله بالوحدانيةِ ودَعْ عنك دِينَ النصرانيةِ فقال الجارودُ فداك أبي وأمي مُدَّ يدَك فأنا أشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له وأشهدُ أنك محمدٌ عبدُه ورسولُه قال فأسلَم وأسلم معه أناسٌ من قومه فسُرَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بإسلامِهم وأظهر من إكرامِهم ما سُرُّوا به وابتهجوا به ثم أقبل عليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال أفيكم من يعرفُ قُسَّ بنَ ساعدةَ الإياديَّ فقال الجارودُ فداك أبي وأمي كلُّنا نعرفُه وإني من بينهم لعالِمٌ بخبرِه واقفٌ على أمره كان قُسُّ يا رسولَ اللهِ سبطًا من أسباطِ العربِ عُمِّر ستمائةِ سنةٍ تقفرُ منها خمسةُ أعمارٍ في البراري والقِفارِ يضجُّ بالتَّسبيحِ على مثالِ المَسيحِ لا يُقِرُّه قرارٌ ولا تُكنُّه دارٌ ولا يَستمتِع به جارٌ كان يلبسُ الأمساحَ ويفوق السُّياحَ ولا يفتُر من رهبانيتِه يتحسَّى في سياحتِه بيضَ النعامِ ويأنسُ بالهوامِّ ويستمتِع بالظلامِ يبصر فيعتبِرْ ويُفكِّرُ فيختبِرْ فصار لذلك واحدًا تُضرب بحكمتِه الأمثالُ وتكشفُ به الأهوالُ أدرك رأسَ الحواريِّين سمعانَ وهو أولُ رجلٍ تألَّه من العربِ ووحَّد وأقر وتعبّد وأيقنَ بالبعث والحسابِ وحذَّر سوءَ المآبِ وأمر بالعمل قبل الفوتِ ووعظ بالموتِ وسلَّم بالقضا على السُّخطِ والرِّضا وزار القبورَ وذكر النشورَ وندب بالأشعارِ وفكر في الأقدارِ وأنبأ عن السماءِ والنماءِ وذكر النجومَ وكشف الماءَ ووصف البحارَ وعرف الآثارَ وخطب راكبًا ووعظ دائبًا وحذَّر من الكربِ ومن شدة الغضبِ ورسَّل الرسائلَ وذكَّر كل هائلٍ وأرغَم في خُطَبِه وبين في كتبِه وخوَّف الدهرَ وحذِرَ الأزْرَ وعظَّم الأمرَ وجنَّب الكفرَ وشوَّقَ إلى الحنيفيةِ ودعا إلى اللاهوتيَّةِ وهو القائلُ في يومِ عكاظ ٍشرقٌ وغربٌ ويتمٌ وحزبٌ وسلمٌ وحربٌ ويابسٌ ورطبٌ وأجاجٌ وعذبٌ وشموسٌ وأقمارٌ ورياحٌ وأمطارٌ وليلٌ ونهارٌ وإناثٌ وذكورٌ وبرارٌ وبحورٌ وحبٌّ ونباتٌ وآباءٌ وأمهاتٌ وجمعٌ وأشتاتٌ وآياتٌ في إثرِها آياتٌ ونورٌ وظلامٌ ويسرٌ وإعدامٌ وربٌّ وأصنامٌ لقد ضلَّ الأنامَ نشوُ مولودٍ ووأدُ مفقودٍ وتربيةُ محصودٍ وفقيرٌ وغنيٌّ ومحسنٌ ومسيءٌ تبًّا لأربابِ الغفلةِ ليصلحنَّ العاملُ عملَه وليفقدَنَّ الآملُ أملَه كلا بل هو إلهٌ واحدٌ ليس بمولودٌ ولا والدٍ أعاد وأبدَى وأمات وأحيا وخلق الذكرَ والأنثى ربُّ الآخرةِ والأولى أما بعدُ فيا معشر إيادٍ أين ثمودُ وعادٌ وأين الآباءُ والأجدادُ وأين العليلُ والعُوَّادُ كلٌّ له معادٌ يُقسِم قُسٌّ بربِّ العبادِ وساطحِ المهادِ لتحشرنّ على الانفرادِ في يومِ التَّنادِ إذا نُفِخ في الصورِ ونُقِر في الناقورِ وأشرقت الأرضُ ووعظ الواعظُ فانتبذ القانطُ وأبصر اللاحظُ فويلٌ لمن صدف عن الحقِّ الأشهرِ والنورِ الأزهرِ والعرضِ الأكبرِ في يوم الفصلِ وميزانِ العدلِ إذا حكم القديرُ وشهد النذيرُ وبعد النصيرُ وظهرَ التقصيرُ ففريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السَّعيرِ وهو القائلُ ذكَّرَ القلبَ من جواه ادِّكارٌ, وليالٌ خلا لهن نهارٌ وسجالٌ هواطلٌ من غمامٍ ثُرْن ماءً وفي جُواهن نارٌ ضوءُها يطمس العيونَ وأرعادٌ شدادٌ في الخافقَين تطارُ, وقصورٌ مُشيَّدةٌ حوَت الخير َوأخرى خلَت بهن قِفارٌ,وجبالٌ شوامخٌ راسياتٌ وبحارٌ مياههن غزارٌ, ونجومٌ تلوح في ظُلَمِ الليلِ نراها في كلِّ يومٍ تُدارُ ثم شمسٌ يحثُّها قمرُ الليلِ وكلُّ متابعٍ مُوارٍ وصغيرٌ وأشمظُ وكبيرٌ كلُّهم في الصعيدِ يومًا مزارٌ,وكبيرٌ مما يقصر عنه حدسِه الخاطرُ الذي لا يحارُ فالذي قد ذكرتُ دلَّ على اللهِ نفوسًا لها هديٌ واعتبارٌ. قال فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مهما نسيتُ فلستُ أنساه بسوقِ عكاظٍ واقفًا على جملٍ أحمرَ يخطب الناسَ اجتمعوا فاسمَعوا وإذا سمعتُم فعُوا وإذا وعَيتُم فانتفِعوا وقولوا وإذا قلتُم فاصدُقوا من عاش مات ومن مات فات وكلُّ ما هو آتٍ آتٍ مطرٌ ونباتٌ وأحياءٌ وأمواتٌ ليلٌ داج ٍوسماءٌ ذا أبراجٍ ونجومٌ تزهرُ وبحار ٌتزخرُ وضوءٌ وظلامٌ وليلٌ وأيامٌ وبرٌّ وآثامٌ إنَّ في السماء خبرًا وإنَّ في الأرض عِبَرًا يحارُ فيهنَّ البصرَا مهادٌ موضوعٌ وسقفٌ مرفوعٌ ونجومٌ تغورُ وبحارٌ لا تفورُ ومَنايا دوانٍ ودهرٌ خوَّانٌ كحدِّ النِّسطاسِ ووزنِ القُسطاسِ أقسمَ قُسُّ قسمًا لا كاذبًا فيه ولا آثمًا لئن كان في هذا الأمرِ رِضى ليكونن سخطٌ ثم قال أيها الناسُ إنَّ لله دينًا هو أحبُّ إليه من دينِكم هذا الذي أنتم عليه وهذا زمانُه وأوانه ثم قال ما لي أرى الناسَ يذهبون فلا يرجِعون أرَضُوا بالمقام فأقاموا أم تُرِكوا فناموا والتفت رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى بعض أصحابِه فقال أيكم يروي شعرَه لنا فقال أبو بكرٍ الصديقُ فداك أبي وأمي أنا شاهدٌ له في ذلك اليومِ حيث يقول في الذَّاهِبِينَ الأوَّلِينَ... من القرون لنا بصائرْ لما رأيت مصارعا... للقوم ليس لها مصادرْ ورأيت قومي نحوها... يمضي الأكابر والأصاغرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ... حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ قال فقام إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شيخٌ من عبدِ القَيسِ عظيمُ الهامة ِطويلُ القامةِ بعيدُ ما بين المنكبَينِ فقال فداك أبي وأمي وأنا رأيتُ من قُسٍّ عجبًا فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما الذي رأيتَ يا أخا بني عبدِ القَيسِ فقال خرجتُ في شبيبتي أربعُ بعيرًا لي ندَّ عني أقْفوا أثرَه في تنَائِفَ قَفَافٍ، ذاتِ ضَغابِيسَ، وعَرَصاتِ جَثْجاثٍ بينَ صُدورِ جُذعان، وغميرِ حَوذانٍ، ومَهَمهٍ ظَلمانِ، وَرصِيعِ أيْهُقانِ، فَبَينا أنا في تِلك الفَلوات أَجولُ بِسَبسَبِها، وأرنُقُ فَدْفَدها، إِذا أَنا بهضبة فِي نَشَزاتِها أَراكٌ كَباثٌ مُخْضَوْضِلَةٌ وَأَغصانُها مُتَهَدِّلَةٌ، كأنَّ بَرِيرَها حَبُّ الفُلْفُلِ وبواسِقُ أُقْحُوانٍ، وإذا بعينٍ خَرَّارَةٍ ورَوْضةٍ مُدْهامَّةٍ، وشجرةٍ عارِمةٍ، وإذا أنا بقُسِّ بنِ ساعِدَةَ في أصلِ تلك الشَّجَرةِ وبِيده قضِيبٌ، فدنوتُ منه وَقُلتُ لهُ: أَنعِمْ صَباحًا. فقال: وأَنت فنعِمَ صَبَاحُك. وقد وَردَتِ العَينَ سِباعٌ كثيرةٌ، فكان كلما ذهب سَبعٌ منها يشربُ من العينِ قبل صاحبِه ضربه قُسُّ بالقضيبِ الَّذي بيدِه. وقال: اصبِرْ حَتى يشربَ الَّذي قبلك. فَذُعِرْتُ من ذلك ذُعْرًا شديدًا، ونظر إليَّ فقال:لا تخَفْ. وإذا بقبرَينِ بينهما مَسجِدٌ، فقلتُ: مَا هذان القَبرانِ؟ قال: قبرَا أخَوينِ كانا يعبُدانِ اللَّهَ عزَّ وجلَّ بهذا المَوضِعِ. فأنا مُقيمٌ بين قبرَيهما أعبدُ اللهَ بين قبرَيهما أعبدُ اللَّهَ حتَّى ألحَقَ بهما. فقلتُ له: أفلا تَلحَقُ بِقَومِكَ فَتكونَ مَعهُم في خَيرِهم وَتُبايِنَهُم عَلَى شَرِّهِم؟ فَقَالَ لِي: ثكلتْك أمُّك! أَو ما عَلِمتَ أَنَّ وَلَدَ إِسماعِيلَ تَرَكوا دِينَ أبيهمْ وَاتَّبَعوا الأضدادَ وعظَّمُوا الْأَندادَ؟ ثم أقبل على القبرَينِ وأنشأَ يقول: خلِيلَيَّ هبَّا طالما قد رقدتُما * أجِدَّكما لا تقضِيانِ كراكما أرى النَّومَ بين الجلدِ والعظمِ منكما * كأنَّ الَّذي يَسقي العُقارَ سقاكما أَمِنْ طُولِ نَوْمٍ لَا تُجِيبَانِ دَاعِيًا * كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا ألم تعلما أنى بِنَجْرَان مُفردا * ومالى فيه من حبيبٍ سِواكما مُقيمٌ على قبرَيكما لستُ بارِحًا * إِيابَ اللَّيالِي أو يجيبَ صدَاكما أبكيكما طُولَ الحياةِ وما الَّذي * يَرُدُّ على ذِي لَوعةٍ أَنْ بَكاكما فلو جُعِلَتْ نفسٌ لنفسِ امرئٍ فِدًى * لَجُدتُ بنفسي أن تكون فِداكما كأنَّكما والموتُ أقرَبُ غايَةٍ * بروحي في قبرَيكما قد أتاكما قال فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رحم اللهُ قُسًّا أما إنه سيُبعثُ يومَ القيامةِ أمَّةً وحده
- ثروةٍ:
- أي: العدد الكثير
- فَدْفدًا:
- المكان الذي فيه ارتفاع وغلظ، وقيل: الأرض المستوية
- الطرفُ:
- البصر
- ضامنٌ:
- الكفيل والملتزم
- الحنيفيةِ:
- هي: الشريعة المائلة عن كل دين باطل
- الصورِ:
- هو قرن ينفخ فيه
- عِبَرًا:
- العبر: جمع عبرة، وهي الموعظة ونحوها
- بعيرًا:
- البعير من الإبل: الذكر والأنثى
- ندَّ:
- أي: شرد ونفر
- ذُعْرًا:
- أي: فزعا وتنفيرا
٩ -عن أبي كبشةَ الأنماريِّ قال لما كان في غزوةِ تبوكَ تسارع الناسُ إلى أهل الحجرِ يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فنُودي في الناسِ الصلاةُ جامعةٌ قال فأتيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُمسِكٌ بعيرَه وهو يقول ما تدخلون على قومٍ غضب اللهُ عليهم فناداه رجلٌ نعجب منهم قال أفلا أنبئُكم بأعجبَ من ذلك رجلٌ من أنفسِكم ينبِّئًكم بما كان قبلَكم وما هو كائنٌ بعدكم فاستقِيموا وسدِّدوا فإنَّ اللهَ لا يعبأ بعذابِكم شيئًا وسيأتي قومٌ لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا
١٠ -عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ قال قدِم معاويةُ في بعض حجَّاتِه فأتاهُ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ فذكروا عليًّا فقال سعدٌ له ثلاثُ خِصالٍ لَأَنْ تكونَ لي واحدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ من الدُّنيا وما فيها سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ وسمعتُه يقولُ لَأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه ويحبُّه اللهُ ورسولُه وسمعتُه يقولُ أنت مني بمنزلةِ هارونَ من موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدِي
١١ -عن الأشعثِ بنِ قيسٍ قال قدمتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وفدِ كِندةَ فقال لي هل لك من ولدٍ قلتُ غلامٌ وُلِدَ لي في مَخرجي إليك من ابنةِ جمدٍ ولوددتُ أنَّ مكانَه شبعُ القومِ قال لا تقولنَّ ذلك فإنَّ فيهم قُرَّةَ عينٍ وأجرًا إذا قُبِضوا ثم لئن قلتَ ذاك إنهم لمَجبنةٌ مَحزنةٌ إنهم لمَجبَنَةٌ مَحزَنَةٌ
١٢ -عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي أَوفَى قال قلتُ كنتم تُخَمِّسونَ الطَّعامَ في عهدِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ أصبْنا طعامًا يومَ خَيْبَرَ وكان الرَّجلُ يَجِيءُ فيأخُذُ منهُ قَدْرَ ما يكفيهِ ثمَّ ينصرِفُ
١٣ -عنِ ابنِ عباسٍ أنَّ امرأةً من اليهودِ أهدَت لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ شاةً مسمومةً فأرسل إليها فقال ما حمَلكِ على ما صنعتِ قالت أحببتُ أو أردتُ إن كنتَ نبيًّا فإنَّ اللهَ سيُطلِعك عليه وإن لم تكن نبيًّا أُريحُ الناسَ منك قال فكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا وجد من ذلك شيئًا احتجم قال فسافر مرةً فلما أحرم وجَد من ذلك شيئًا فاحتجَم
١٤ -لمَّا مَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بوادي عُسْفانَ حينَ حَجَّ قال: يا أبا بَكرٍ، أيُّ وادٍ هذا؟ قال: وادي عُسفانَ . قال: لقد مَرَّ به هُودٌ وصالِحٌ عليهما السَّلامُ على بَكراتٍ خَطمُها اللِّيفُ، أُزُرُهمُ العَباءُ، وأرْديَتُهمُ النِّمارُ، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ البَيتَ العَتيقَ.
- عُسْفانَ:
- موضع يبعد عن مكة ثمانية وثمانين كيلو متر تقريبا
- عُسفانَ:
- موضع يبعد عن مكة ثمانية وثمانين كيلو متر تقريبا
- بَكراتٍ:
- جمع بكرة، ولد الناقة أو الفتي منها
١٥ -يلتَقي الخَضِرُ وإلياسُ كلَّ عامٍ في الموسمِ فيحلِقُ كلُّ واحدٍ منهما رأسَ صاحبِهِ ويتفرَّقانِ عن هؤلاءِ الكلِماتِ بسمِ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ لا يسوقُ الخيرَ إلَّا اللَّهُ ما شاءَ اللَّهُ لا يصرفُ الشَّرَّ إلَّا اللَّهُ ما شاءَ اللَّهُ ما كانَ من نعمةٍ فمنَ اللَّهِ ما شاءَ اللَّهُ لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ قالَ وقالَ ابنُ عبَّاسٍ منَّ قالهنَّ حينَ يصبِحُ وحينَ يُمسي ثلاثَ مرَّاتٍ آمنهُ اللَّهُ منَ الغرَقِ والحرقِ والسَّرْقِ قالَ وأحسبُهُ قالَ ومنَ الشَّيطانِ والسُّلطانِ والحيَّةِ والعقربِ
- الموسمِ:
- هو الزمان الذي يتكرر في كل سنة لاجتماع أو بيع أو عيد أو نحو ذلك، ومنه: موسم الحج
١٦ -سأل أبو موسى علماءَ تلك القريةِ عن نقشِ ذلك الخاتمِ فقالوا أنَّ المَلِكَ الذي كان دانيالُ في سُلطانِه جاءه المُنجِّمون وأصحابُ العلمِ فقالوا له أنه يُولدُ ليلةَ كذا وكذا غلامٌ يُعَوِّرُ ملكَك ويفسدُه فقال الملِكُ واللهِ لا يبقي تلك الليلةَ غلامٌ إلا قتلتُه إلا أنهم أخذوا دانيالَ فألقوه في أَجمَةِ الأسدِ فبات الأسدُ ولَبوَتُه يلحسانِه ولم يَضُرَّاه فجاءت أمُّه فوجدتْهما يلحسانِه فنجاه اللهُ بذلك حتى بلغ ما بلغ قال أبو بردةَ قال أبو موسى قال علماءُ تلك القريةِ فنقش دانيالُ صورتَه وصورةَ الأسدَينِ يَلحسانِه في فصِّ خاتمِه لئلا ينسى نعمةَ اللهِ عليه في ذلك
١٧ -أنه عليه السلامُ لما اجتمع إليه الناسُ قال بابُ خيرٍ بابُ خيرٍ...
١٨ -رأيْتُ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ قَبَّلهُ وسجدَ عليهِ [ الحَجَرَ الأسْوَدَ ] ثمَّ قالَ عُمرُ لو لم أَرَ النَّبِيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قَبَّلَهُ ما قَبَّلتُهُ
١٩ -عنِ ابنِ عبَّاسٍ في قَولِهِ تعالى { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ } قالَ تشاوَرَتْ قُرَيشٌ ليلةً بمكَّةَ فقالَ بعضُهمْ إذا أصبحَ فأَثبِتوهُ بالوَثَاقِ يُرِيدونَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم وقال بعضُهُمْ بلِ اقتُلوهُ وقالَ بعضُهمْ بلْ أخرِجوه فأطلعَ اللَّهُ نبيَّهُ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ على ذلكَ فباتَ علِيٌّ على فِراشِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ تِلكَ اللَّيلةَ وَخرجَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى لَحِقَ بالغارِ وباتَ المشرِكونَ يحرُسونَ عليًّا يحسَبونَهُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فلمَّا أصبحوا ثاروا عليهِ فلمَّا رَأَوْا علِيًّا ردَّ اللَّهُ عليهِمْ مكرَهُمْ فقالوا أينَ صاحِبُكَ هذا فقالَ لا أدْري فاقتَفَوْا أثَرَهُ فلمَّا بلغوا الجبلَ اختلَطَ عليهِمْ فصَعِدوا الجبلَ فمرُّوا بالغَارِ فرَأَوا على بابِهِ نسْجَ العَنكبوتِ فقالوا لو دَخلَ هاهُنا أحدٌ لم يكُنْ نَسْجُ العنكبوتِ على بابهِ فمكَثَ فيهِ ثلاثَ ليالٍ
٢٠ -إنَّ أباكم آدمَ كان كالنخلةِ السَّحوقِ ستين ذراعًا كثيرَ الشَّعرِ مُوارَى العورةِ فلما أصاب الخطيئةَ في الجنةِ بدت له سوأتُه فخرج من الجنةِ فلقِيَته شجرةٌ فأخذتْ بناصيتِه فناداه ربُّه أفرارًا مني يا آدمُ قال بل حياءً منك واللهِ يا ربِّ مما جئتُ به
