الآداب والأخلاق والرقائق · تفسير القرآن

كيف تكون الشكوى إلى الله تعالى وحده ؟

سؤال وجواب رقم ١٠٬٦٤٦

السؤال

هل يمكنكم شرح كيف تكون الشكوى لله سبحانه وتعالى وحده ؟ ففي سورة يوسف يقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون ) ، وفي سورة المجادلة : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إنّ الله سميع بصير ) .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ينبغي أن تكون الشكوى إلى الله تعالى وحده ، فإن ذلك من تمام عبودية العبد وتوكله وفقره وحاجته إلى ربه ، ومن تمام استغنائه به سبحانه عن الناس .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" الشَّكْوَى إِنَّمَا تَكُونُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ : (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) " انتهى من "منهاج السنة النبوية" (4/ 244) .

وقال ابن القيم رحمه الله :

" أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ ، وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ ، وَالْهَجْرِ الْجَمِيلِ ، فَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الصَّبْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لَا شَكْوَى فِيهِ ، وَلَا مَعَهُ ، وَالصَّفْحُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لَا عِتَابَ مَعَهُ. وَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ هُوَ الَّذِي لَا أَذَى مَعَهُ ،

وَالشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تُنَافِي الصَّبْرَ. فَإِنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَعَدَ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ ، وَالنَّبِيُّ إِذَا وَعَدَ لَا يُخْلِفُ. ثُمَّ قَالَ: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) يوسف/ 86، وَكَذَلِكَ أَيُّوبُ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ وَجَدَهُ صَابِرًا مَعَ قَوْلِهِ: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الأنبياء/ 83 .

وَإِنَّمَا يُنَافِي الصَّبْرَ شَكْوَى اللَّهِ ، لَا الشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ ، كَمَا رَأَى بَعْضُهُمْ رَجُلًا يَشْكُو إِلَى آخَرَ فَاقَةً وَضَرُورَةً ، فَقَالَ: يَا هَذَا، تَشْكُو مَنْ يَرْحَمُكَ إِلَى مَنْ لَا يَرْحَمُكَ؟ ثُمَّ أَنْشَدَ:

وَإِذَا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لَهَا ** صَبْرَ الْكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ

وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا ** تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ ؟.

انتهى من "مدارج السالكين" (2/ 160) .

وقال أيضا :

" الشكوى نوعان : أحدهما: الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر، كما قال يعقوب: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) مع قوله: (فصبر جميل) وقال أيوب: (مسني الضر) مع وصف الله له بالصبر، وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه (اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتى ... ).

والنوع الثاني : شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال ، فهذه لا تجامع الصبر ، بل تضاده وتبطله ، ففرق بين شكواه والشكوى إليه " انتهى من "عدة الصابرين" (ص 17) .

وقال السعدي رحمه الله :

" الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر، وإنما الذي ينافيه، الشكوى إلى المخلوقين ".

انتهى "تفسير السعدي" (ص 411) .

فالشكوى إلى الله : أن يكون العبد بحيث إذا أصابه شيء ، أو نزل به أمر ، أو افتقر إلى حاجة : اشتكى إلى الله وحده ، ورفع حاجته إليه ، وأنزلها به - كما هو حال الأنبياء عليهم السلام في حاجاتهم وشكاياتهم -، فذكر ربه ودعا وتضرع ، وتاب وأناب ، وتقرب إليه بأنواع العبادات ؛ لأن ذلك من تمام عبوديته وتوكله على الله .

انظر جواب السؤال رقم : (5952) ، (148943) .

والله تعالى أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب تفسير القرآن ‹