الآداب والأخلاق والرقائق · الأخلاق المذمومة

نقاش حول حكم الاستمناء

سؤال وجواب رقم ١٦٬٢٤٢

السؤال

بالنسبة لمسألة الاستمناء ، فقد أباحها عدد من علماء السلف ، كعمرو بن دينار ، ومجاهد ، وغيرهم ، ومعلوم أن مجاهدا هو من كبار العلماء في تفسير القرآن الكريم ، ولم يذكر أن الاستمناء محرم بدليل آية ( والذين هم لفروجهم حافظون ) فضلا عن قوله - ومعلوم أنه عاصر زمن الصحابة - : كانوا يأمرون به شبانهم يستعفون به .

بمعنى أنه لو كان أخطأ وفسرها خطأ فغيره كان يبيحها ويأمر بها ، وهو في عصر الصحابة والتابعين .

وبعد قراءتي لعدة فتاوى في ما يفعل العامي عند اختلاف العلماء ، قال بعض العلماء : إنه يأخذ بالأيسر ، وبعضهم قال : يأخذ بكلام الأتقى والأورع والأعلم ، ومعلوم أن علماء السلف كمجاهد وعمرو بن دينار هم أعلم من علماء الخلف ، مع احترامي لجميع العلماء .

فهل أنا آثم إن أخذت بالقول الذي يبيح الاستمناء ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

نعم ، رويت بعض الآثار التي تفيد جواز الاستمناء ، وذلك عن مجاهد رحمه الله وغيره . انظر " المصنف " لعبد الرزاق (7/391) كقوله : (كان من مضى يأمرون شبانهم بالاستمناء) .

ولكن القضية في " الاستمناء " ليست متوقفة على وجود فتوى هنا أو هناك ، ولا على ترخيص بعض العلماء من المتقدمين أو المتأخرين بها ، فالمسلم يعتني بما يصلحه وينفعه ، وليس بما تطلبه نفسه وتهواه .

وسواء نظرنا في اختلاف أقوال الفقهاء ، أم لم نفعل ، فما ينفعك في دينك ودنياك ، وقلبك وبدنك ، هو اجتناب هذه العادة السيئة :

1. لما تحدثه في بدنك من إنهاك زائد .

2. ولما تحفره في نفسك ومخيلتك من صور الحرام واستدعاء المعصية .

3. ولما تشعله من نار الشهوة وتطلب المزيد منها بدلا من إطفائها وإخمادها ، وهذا معلوم مقرر لدى الأطباء ، أن العادة السرية لا تطفئ الشهوة إلا مؤقتا ، ولكنها سرعان ما تستعر من جديد أفحش ما كانت .

4. ولما تفتحه عليك من أبواب معصية النظر المحرم ، واقتحام حرمات الأيام والليالي الفاضلة ، وتقصير في أداء الصلوات على وقتها ، وشعور النقص الداخلي ، وانطواء نفسي .

5. ولما تسببه من ضرر في العلاقة الزوجية في قابل الأيام ، حين يجد بعض الصعوبة في التخلص منها حتى بعد الزواج . وغيرها من الآثار السيئة .

ولذلك نقل ابن العربي المالكي عن بعض العلماء قولهم : " لو قام الدليل على جوازها ، لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها " انتهى من " أحكام القرآن " (3/315) .

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" وأما الرادع الحسي : فليسأل الأطباء ، حتى يتبين له أنها من أضر ما يكون على البدن ، وإن كان الإنسان يجد فيها راحة ، لكنها راحة يسيرة يعقبها ضرر كبير . ولقد قال لي بعض الناس : إنه ابتلي بهذا ، فابتلي بالوساوس الشيطانية والعياذ بالله ، والمضايق النفسية . وهذا ليس ببعيد ؛ لأن الله تعالى حكيم ، جعل هذه النطفة لها محل معين : ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) [البقرة:223] ، وعلى الإنسان أن يتصبر ، ويتصبر ، ويتصبر ، ولقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام دواءً ناجحاً وهو الصوم ، فقال : ( يا معشر الشباب ! من استطاع منكم الباءة فليتزوج ؛ فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء)" انتهى من " اللقاء الشهري " (61/ 24، بترقيم الشاملة آليا) .

وما ذكرتَه في سؤالك من محاولة إظهار قول مجاهد كأنه إجماع للصحابة والتابعين فمبالغة غير مرضية .

فقد ثبت تحريم العادة السرية عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ، وهو أعلم وأعلى طبقة من مجاهد . فقد سئل عن الخضخضة – يعني العادة السرية - فقال : (ذلك الفاعل بنفسه) . رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (3/ 112)، وهذه كلمة ذم وتنفير شديدة .

وشدد ابن العربي المالكي في " أحكام القرآن " (3/ 315) التحريم حتى قال :

" عامة العلماء على تحريمه ، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به .

وقال بعض العلماء : إنه كالفاعل بنفسه ، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها بين الناس حتى صارت قيلة ، ويا ليتها لم تُقل ، ولو قام الدليل على جوازها لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها ... والاستمناء ضعيف في الدليل ، عار بالرجل الدنيء ، فكيف بالرجل الكبير " انتهى.

بل قال بعض العلماء : إن الآثار التي اشتهرت عن جابر بن زيد ، وعمرو بن دينار ، ومجاهد ، لم يريدوا بها الجواز المطلق ، وإن كان ظاهر عبارتها يوحي بذلك ، وإنما قصدوا جواز هذا الفعل في حال الخوف من الوقوع في الزنا ، وتعذر الزواج ، ولا شك أن من عرض له الزنا : فالاستمناء في حقه أهون .

كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " قال رجل : إني أعبث بذكري حتى أنزل ؟ قال : إن نكاح الأمة خير منه ، وهو خير من الزنا" . رواه عبد الرزاق في " المصنف " (7/ 390)

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" نقل عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة ، مثل أن يخشى الزنا فلا يعصم منه إلا به ، ومثل أن يخاف إن لم يفعله أن يمرض ، وهذا قول أحمد وغيره .

وأما بدون الضرورة ، فما علمت أحدا رخص فيه " انتهى من " مجموع الفتاوى " (34/ 229).

كل ذلك يدل على أن المسألة لا تختزل بقول يلتقط من هاهنا ، وقول ينقل من هناك ، ويأخذ بظاهرها بعض العلماء فيقولون بالإباحة أو الكراهة فحسب .

ولكن حقيقة المسألة أنها نتاج بحث فقهي ومصلحي ظاهر ، تُوصل من خلاله إلى ما قرره جماهير العلماء من تحريم هذا الفعل ، والتحذير من آثاره السيئة على النفس والبدن .

فلا يُنكر الخلاف ، ولا يُبالغ في الجزم بالإجماع من غير بحث ولا نظر ، ولكن الواجب أيضا يقضي أن يُبيَّن للناس ما هو الأقرب للصواب ، ولكل مجتهد أجره بإذن الله .

ويرجى مراجعة الأجوبة السابقة المنشورة في موقعنا تحت الأرقام الآتية :

(329) ، (20161) ، (101539) ، (145482) .

والله أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأخلاق المذمومة ‹