الآداب والأخلاق والرقائق · الأخلاق المحمودة

الأمانة في الإسلام

سؤال وجواب رقم ١٦٬٧٧٣

السؤال

ما هي الأمانة ؟ وما عقوبة من خانها ؟ وكيف يتوب ؟ وما الأدلة على كل ذلك من الكتاب والسنة ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الأمانة في الشرع لها معنيان ؛ معنى عام وآخر خاص .

فالمعنى العام : هو أنها تتناول جميع أوامر الشرع ونواهيه .

ومما يدلّ على ذلك ؛ قول الله تعالى :

( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) الأحزاب/72.

ساق ابن كثير رحمه الله تعالى مجموعة من أقوال علماء السلف في تفسير لفظ " الأمانة " ، ثمّ قال :

" وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها : التكليف ، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ، وهو أنه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عوقب ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه ، إلا من وفق الله ، وبالله المستعان " انتهى من "تفسير ابن كثير " (6 / 489) .

وهذا المعنى هو الذي اختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى ؛ حيث قال :

" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قاله الذين قالوا : إنه عُنِي بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدين ، وأمانات الناس . وذلك أن الله لم يَخُصّ بقوله (عَرَضْنَا الأمَانَةَ) بعض معاني الأمانات لما وصفنا " انتهى من " تفسير الطبري " (19 / 204 - 205).

وقال القرطبي رحمه الله تعالى :

" والأمانة تعمّ جميع وظائف الدّين على الصحيح من الأقوال ، وهو قول الجمهور " .

انتهى من " تفسير القرطبي " (17 / 244) .

وقال الله تعالى :

( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) المؤمنون/8 .

قال الشيخ المفسر محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى :

" والأمانة تشمل : كل ما استودعك الله ، وأمرك بحفظه ، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله ، وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس ... " .

انتهى من " أضواء البيان " (5 / 846) .

والمعنى الخاص للأمانة :

تواترت نصوص الشرع على الأمر بحفظه ، وعدم تضييعه ، أو خيانته ؛ واشتهر في كتب أهل العلم والفقه ، وعلى ألسنة الناس ، ولعله هو مراد السائل هنا بسؤاله عن الأمانة .

والمراد بها على ذلك : كل ما يجب على الإنسان حفظه وأداؤه من حقوق الآخرين .

ولها ثلاث صور مشهورة :

الصورة الأولى : الحقوق المالية الثابتة بعقود ، كالودائع ، والقروض ، والإجارات ونحوها ، أو بدون عقود كاللقطة وما يجده الإنسان من أموال الناس الضائعة منهم .

جاء في " الموسوعة الفقهية الكويتية " (6 / 236) :

" وبالتتبع تبين أن الأمانة قد استعملها الفقهاء بمعنيين :

أحدهما: بمعنى الشيء الذي يوجد عند الأمين ، وذلك يكون في :

أ - العقد الذي تكون الأمانة فيه هي المقصد الأصلي ، وهو الوديعة ، وهي العين التي توضع عند شخص ليحفظها، فهي أخص من الأمانة ، فكل وديعة أمانة ولا عكس.

ب - العقد الذي تكون الأمانة فيه ضمنا ، وليست أصلا ، بل تبعا ، كالإجارة والعارية والمضاربة والوكالة والشركة والرهن .

ج - ما كانت بدون عقد ، كاللقطة ، وكما إذا ألقت الريح في دار أحد مال جاره ، وذلك ما يسمى بالأمانات الشرعية " انتهى .

الصورة الثانية : حفظ أسرار الناس .

عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ) رواه مسلم (1437).

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ : فَهِيَ أَمَانَةٌ ) رواه أبوداود (4868) ، والترمذي (1959) وقال : هذا حديث حسن .

وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة" (4868) .

الصورة الثالثة : المسؤوليات والمناصب العامة والخاصة : فهي أمانة يجب القيام فيها بالحق والعدل ، فمنصب الحكم أمانة ، ومنصب القضاء أمانة ، ومنصب المدير في أي مؤسسة أمانة ، ومسؤولية الأسرة أمانة ، وهكذا كل المسؤوليات والمناصب .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ) ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : ( إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ) رواه البخاري (6496) .

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ : " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ! أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ ، قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ، ثُمَّ قَالَ : ( يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ) " رواه مسلم (1825) .

ثانيا :

الواجب في الأمانات العامة والخاصة أن تحفظ وتؤدى على الوجه المطلوب شرعا ، ويحرم إضاعتها وخيانتها .

قال الله تعالى :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) الأنفال/27 .

وقال الله تعالى :

( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) النساء/58 .

وخيانة الأمانة علامة من علامات النفاق .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (‏ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا : إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ‏) رواه البخاري (34) ، مسلم (58) .

ثالثا :

خيانة الأمانة هي ذنب من الذنوب ، وكبيرة من الكبائر . ورغم عظم هذا الذنب إلّا أنّ باب التوبة مفتوح .

قال الله تعالى :

( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/53 .

وقال الله تعالى :

( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) الشورى/ 25 .

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها تَابَ اللهُ عَلَيهِ ) رواه مسلم ( 2703 ) .

والتوبة الصادقة النصوح : هي المسارعة إلى ترك الذنب ، والندم عليه ، والعزم على عدم العودة إليه .

ثمّ ينظر المذنب المضيع للأمانة ؛ فإذا كانت هذه الأمانة التي أضاعها تتعلق بحقوق الله ، فيجب ـ زيادة على التوبة والاستغفار ـ : أن ينظر إذا ما كان هناك تكليف شرعي لجبر هذه الإضاعة فيجب القيام به ، كالقضاء أو الكفارة .

فمثلا المضيع لأمانة الصوم بأن أفطر متعمدا في رمضان ، عليه ، مع توبته ، قضاء الأيام التي أفطرها ، وإذا كان إفطاره حصل بجماع : فعليه أن يؤدي الكفارة ، وهكذا باقي أمور الشرع.

أمّا إذا كانت الأمانة التي خانها تتعلق بحقوق الناس ، فعليه ، مع ما سبق بيانه من أمر توبته : أن يؤدي الحق إلى صاحبه ، أو يطلب منه العفو والمسامحة .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ ) رواه البخاري ( 2449 ) .

قال النووي رحمه الله تعالى :

" قال العلماء : التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى ، لا تتعلق بحق آدمي ، فلها ثلاثة شروط :

أحدها : أن يقلع عن المعصية .

والثاني : أن يندم على فعلها .

والثالث : أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا .

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته .

وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي فشروطها أربعة : هذه الثلاثة ، وأن يبرأ من حق صاحبها ، فإن كانت مالا أو نحوه : رده إليه ، وإن كانت حد قذف ونحوه مَكَّنَه منه أو طلب عفوه ، وإن كانت غيبة : استحله منها " انتهى من " رياض الصالحين " ( ص 14 ) .

وينظر ـ للفائدة ـ حول التحلل من الغيبة : جواب السؤال رقم : (6308) .

والله أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأخلاق المحمودة ‹