الآداب والأخلاق والرقائق · الرقائق

حقيقة الأنس بالله

سؤال وجواب رقم ١٬٧٢٤

السؤال

ما معنى الأنس بالله ؟ وكيف أحققه ؟

فهل إذا جلست وقت السحر أو في غيره أناجي الله سبحانه وتعالى بدون رفع اليدين ، وأكلمه سبحانه بلغتي كما أتكلم مع الناس ، ولكن بخضوع وخشوع ، وأشكو له سبحانه همي وحزني ، حتى إني أكلمه ما فعلت في اليوم الذي مضى وهو أعلم ، فهل كل هذا جائز ، وهل هذا هو الأنس ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

" ومن علامات صحة القلب : أن لا يفتر عن ذكر ربه ، ولا يسأم من خدمته ، ولا يأنس بغيره ، إلا بمن يدله عليه ، ويذكِّرُهُ به ، ويذاكره بهذا الأمر" انتهى من " إغاثة اللهفان " ( ص 72 ) .

فالأنس بالله تعالى حالة وجدانية تحمل على التنعم بعبادة الرحمن ، والشوق إلى لقاء ذي الجلال والإكرام .

قال أحد السلف : " مساكين أهل الدنيا ، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قيل : وما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة الله ، والأنس به ، والشوق إلى لقائه ، والتنعم بذكره وطاعته ".

انتهى من " إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك " لعبد الكريم الحميد (1/168) .

وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه ، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به ، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له ، فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة ، فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه وأنسه به أعظم .

فالأنس بالله مقام عظيم من مقامات الإحسان الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : ( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) .

أخرجه البخاري (50) ، ومسلم (5) .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعليقا على الحديث والأثر :

" فهذان مقامان :

أحدهما : الإخلاص ، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه .

الثاني : أن يعمل العبد على مشاهدة الله بقلبه ، وهو أن يتنور قلبه بنور الإيمان" .

انتهى من " استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس".

يشير ابن رجب رحمه الله بكلامه هذا إلى منزلة المراقبة ، ومقام المشاهدة أو المعاينة كما يسميه بعض أهل العلم .

فـ" المشاهدة " ناتجة عن معاينة آثار أسمائه وصفاته تعالى في الكون ، بحيث يترتب عن ذلك تنور القلب وتعلقه بالرب ، وهذه المنزلة هي التي قال عنها النبي عليه الصلاة والسلام : ( أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ) فهي رؤية حُكْمية .

أما " المراقبة " فهي العلم واليقين باطلاع الحق سبحانه على ظاهر العبد وباطنه ، وهي التي قال فيها عليه الصلاة والسلام : ( فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) .

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد كلامه السابق :

" يتولد عن هذين المقامين : الأنس بالله ، والخلوة لمناجاته وذكره ، واستثقال ما يشغل عنه من مخالطة الناس والاشتغال بهم " .

انتهى من " استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس "

فمنزلة المراقبة إذا تحققت في العبد حصل له الأنس بالله تعالى .

ووجه ذلك أنه إذا حصلت المراقبة يحصل القرب من الرب سبحانه ، والقرب منه جل وعلا يوجب الأنس .

قال الإمام ابن القيم رحمه الله :

" والقرب يوجب الأنس والهيبة والمحبة " . انتهى من " مدارج السالكين "(2/382) .

ويقول كذلك رحمه الله :

" وقوة الأنس وضعفه على حسب قوة القرب ، فكلما كان القلب من ربه أقرب كان أنسه به أقوى ، وكلما كان منه أبعد كانت الوحشة بينه وبين ربه أشد " .

انتهى من " مدارج السالكين " (3 / 95) .

وإذا ارتقى العبد إلى تحقيق مقام المشاهدة والمعاينة لآثار أسمائه وصفاته في الكون بحيث يتنور قلبه حصل الأنس ، ووجهه أن منشأ الأنس بالله تعالى ومبدؤه التعبد بمقتضى أسمائه تعالى وصفاته بعد التفهم لمعانيها .

قال ابن القيم رحمه الله تعالى :

" هذا الأنس المذكور مبدؤه الكشف عن أسماء الصفات التي يحصل عنها الأنس ويتعلق بها ، كاسم الجميل ، والبر ، واللطيف ، والودود ، والحليم ، والرحيم ، ونحوها "

انتهى من " مدارج السالكين " (2/419) .

وزيادة في الإيضاح نقول : أن التفهم لمعاني الأسماء والصفات يحمل العبد على معاملة ربه بالمحبة والرجاء وغيرهما من أعمال القلوب .

قال الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله :

" فهم معاني أسماء الله تعالى وسيلة إلى معاملته بثمراتها من : الخوف ، والرجاء ، والمهابة ، والمحبة ، والتوكل ، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات " .

انتهى من " شجرة المعارف والأحوال " .

والعبد إذا ارتقى بالعلم النافع والعمل الصالح إلى مقام الإحسان واستقرت قدمه فيه أنس بالله تعالى والتذ بطاعته وذكره .

قال العلامة السعدي رحمه الله ، مقررا ذلك في منظومته ، واصفا أهل السير إلى الله والدار الآخرة :

" عبدوا الإله على اعتقاد حضوره **** فتبوؤوا في منزل الإحسان " .

ثم قال شارحا رحمه الله :

" وهذه المنزلة من أعظم المنازل وأجلها ، ولكنها تحتاج إلى تدريج للنفوس شيئا فشيئا ، ولا يزال العبد يعودها نفسه حتى تنجذب إليها وتعتادها ، فيعيش العبد قرير العين بربه ، فرحا مسرورا بقربه " .

ولذا فإن الأنس بالله تعالى ثمرة الطاعات والتقرب إلى رب الأرض والسماوات ، كما قال ابن القيم رحمه الله : " فكل طائع مستأنس ، وكل عاص مستوحش" .

انتهى من " مدارج السالكين " (2/406 ) .

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى :

" إنما يقع الأنس بتحقيق الطاعة ؛ لأن المخالفة توجب الوحشة ، والموافقة مبسطة المستأنسين ، فيا لذة عيش المستأنسين ، ويا خسارة المستوحشين " انتهى من " صيد الخاطر " (ص 213 ) .

قيل للعابد الرباني وهيب بن الورد رحمه الله : " هل يجد طعم العبادة من يعصيه ؟ قال : لا ، ولا من يهم بالمعصية " .

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول :

" من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية " . انتهى

ولأجل ذلك كان السلف الصالح الكرام ، والأئمة الأعلام يتشوقون إلى فعل الطاعات ، ويحرصون على تقديم القربات لرب الأرض والسماوات ، ولا يسأمون من العبادات لأنسهم برب البريات .

قال الوليد بن مسلم : " رأيت الأوزاعي يثبت في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس " .

وهذا أبو عائشة الإمام التابعي مسروق بن الأجدع كان يصلي حتى تتورم قدماه ، قالت زوجته : " فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه ، ولما حضرته الوفاة قال : ما آسى على شيء إلا على السجود لله تعالى " .

فاحرص على بلوغ منزلة الإحسان وفق العلم الأثري والهدي النبوي حتى ترزق الأنس عند الطاعات ، ولا تستوحش إذا خلوت بذكر رب الأرض والسماوات ، فليس العجب ممن لم يأنس بالله ولم يرزق التوفيق ، وإنما العجب ممن أدرك ذلك وانحرف عنه إلى بنيات الطريق "

انتهى جميع المادة السابقة منقولة باختصار يسير من كتاب " فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب " للشيخ محمد نصر الدين عويضة.

والله أعلم.

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·الرقائق

سؤال رقم ١٬٧٢٤

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الرقائق ‹