الآداب والأخلاق والرقائق · الدعاء

دعا الله ألا يرزقه مالا ولا ولدا مقابل أن يغفر له

سؤال وجواب رقم ١٧٬٥١٦

السؤال

موضوعي باختصار أني قبل سنتين كنت قد تبت إلى الله ، وكان من دعائي أن يا رب اغفر لي ، وتب علي ولا ترزقني مالا ولا ولد ، قصدت هذا مقابل هذا . الآن ولوجود مشكلة في الإنجاب لدي ، إضافة إلى أني عاطل عن العمل أفكر دائما أن هذا من دعائي فسؤالي : هل ما أفكر به صحيح ؟ أم أن هذا النوع من الدعاء لا يجوز ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

اعلم - يا عبد الله - أن الله تعالى يرزق كل الناس مؤمنهم وكافرهم بدون حساب وبدون مقابل ، ولا ينقص ذلك من ملكه شيئًا .

ويهب لمن يشاء البنين والبنات ، بدون مقابل .

ويغفر لمن تاب إليه ولو كان من أعتى المجرمين .

ويعفو عمن طلب عفوه ولو كان من أعصى العصاة .

ولا يحرم أحدًا رزقًا أو ولدًا مقابل أن يغفر له أو يعفو عنه ، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا .

واستمع ـ يا عبد الله ـ إلى هذا الحديث الجليل ، الذي تهتز له قلوب أهل الإيمان :

روى مسلم في صحيحه (2577) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا .

يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ .

يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ ، إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ .

يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ، إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ .

يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ .

يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي ، فَتَضُرُّونِي ، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُونِي .

يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا .

يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا .

يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي ، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ .

يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ).

قَالَ سَعِيدٌ : كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ !!

وحينئذ ، نقول لك ـ يا عبد الله ـ : إن التفكير بأن الله تعالى يستجيب للعبد أو يغفر له إذا كان هذا مقابل أن يحرمه الرزق أو الولد أو نحو ذلك : تفكير خاطئ ، واعتداء في الدعاء ، وهو من سوء الظن بالله ، وعدم قدره حق قدره ؛ فلا يجوز لمسلم أن يفكر فيه ، أو أن يدعو به .

هذا فضلا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد نهى عن دعاء الإنسان على نفسه .

فقال صلى الله عليه وسلم: ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ ) رواه مسلم .

وقال أيضًا : ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) رواه مسلم.

وجاء عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ ، فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ، أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ ) ، قَالَ : نَعَمْ ، كُنْتُ أَقُولُ : اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سُبْحَانَ اللَّهِ ! لَا تُطِيقُهُ ، أَوْ لَا تَسْتَطِيعُهُ ، أَفَلَا قُلْتَ : اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) ، قَالَ : فَدَعَا اللَّهَ لَهُ ، فَشَفَاهُ " رواه مسلم.

لذلك قد يكون ما أنت فيه الآن من عدم الإنجاب ، وعدم الحصول على عمل : نتيجة هذا الدعاء الذي دعوت به ، والله أعلم بالغيوب ، وما يكون من أمر قضائه وقدره .

ولكن لا يلزم من هذا أنك ستحرم من الرزق والولد طيلة عمرك ، إذ الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى ، ولكن لعل الله تعالى أراد أن يضيق عليك ؛ لتعلم أنك أخطأت بما فعلت ، ولتعلم أنه لا رازق إلا هو سبحانه ، ولا يهب البنين والبنات إلا هو سبحانه .

والواجب عليك الآن هو : التوبة إلى الله تعالى ، وعدم الدعاء بمثل هذا مرة أخرى ، وأن تكثر من الدعاء بالخير ، وأن تسأل الله تعالى بأن يرزقك المال والولد .

واعلم أن الله يحب أن يسأله عبدُه ، ويغضب على من لم يسأله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ ) أخرجه الترمذي في " سننه" (3373) ، والبخاري في "الأدب المفرد" (2/114) وحسنه السيوطي في "الجامع الصغير" ، والشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " (2654) .

وأكثر من الاستغفار ، فإنه سبب في كثرة المال والولد ، قال الله تعالى : ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) نوح/10 - 12 ، وراجع الفتوى رقم : (39775).

ونسأل الله تعالى أن يرزقك المال والولد ، وأن يعفو عنك ويصلح شأنك.

والحاصل:

أن الواجب عليك الآن هو : التوبة إلى الله تعالى ، وعدم الدعاء بمثل هذا مرة أخرى ، وأن تكثر من الدعاء بالخير ، وأن تسأل الله تعالى بأن يرزقك المال والولد ، فربما كان ما أصابك من عدم الإنجاب ، وعدم الحصول على عمل نتيجة هذا الدعاء الذي دعوت به ، ولكن لا يلزم من هذا أنك ستحرم من الرزق والولد طيلة عمرك ، فربما كان ابتلاء من الله وتضييق ؛ لتعلم أنك أخطأت بما فعلت ، ولتعلم أنه لا رازق إلا هو سبحانه ، ولا يهب البنين والبنات إلا هو سبحانه ..

والله أعلم

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·الدعاء

سؤال رقم ١٧٬٥١٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الدعاء ‹