الآداب والأخلاق والرقائق · صلة الرحم

ماذا يفعلون في أقارب يؤذونهم ؟ هل يهجرونهم ؟

سؤال وجواب رقم ١٨٬٦٣٣

السؤال

أريد ان اعرف عن حكم هجر الاقارب. الأقارب الذين يتسببون لنا بالمشاكل والآلام والذين نعاني من أعينهم ونفوسهم الخبيثة ، إنهم يمارسون السحر ضدنا ، ويسرقون ممتلكاتنا ، وينشرون الإشاعات الكاذبة عنا ، ويسيئون إلينا بكل صورة ، فهل لنا أن نهجرهم ؟ وما حكم أفعالهم هذه في ميزان الإسلام ؟ قد سبق لي وأن اخبرت أمي ووالدي ألا يتحدثوا إليهم ، وأن يجتنبوهم بقدر الإمكان ، فما رأيكم في ذلك ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

جاءت الشريعة بالأمر بصلة الرحم ، وبالعفو عن المسيء ، بل وبمقابلة إساءته بالإحسان ، قال الله تعالى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) فصلت/34 ، 35 .

قال السعدي رحمه الله :

"يقول تعالى: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ) أي : لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى ، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه ، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق ، ولا الإساءة إليهم ، لا في ذاتها ، ولا في وصفها ، ولا في جزائها (هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ) .

ثم أمر بإحسان خاص ، له موقع كبير ، وهو الإحسان إلى من أساء إليك ، فقال : (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي : فإذا أساء إليك مسيء من الخلق ، خصوصًا من له حق كبير عليك ، كالأقارب ، والأصحاب ، ونحوهم ، إساءة بالقول أو بالفعل ، فقابله بالإحسان إليه ، فإن قطعك فَصلْهُ ، وإن ظلمك ، فاعف عنه ، وإن تكلم فيك ، غائبًا أو حاضرًا ، فلا تقابله ، بل اعف عنه ، وعامله بالقول اللين . وإن هجرك ، وترك خطابك ، فَطيِّبْ له الكلام ، وابذل له السلام ، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان ، حصل فائدة عظيمة .

(فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أي : كأنه قريب شفيق .

(وَمَا يُلَقَّاهَا) أي : وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة (إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا) نفوسهم على ما تكره ، وأجبروها على ما يحبه الله ، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان .

فإذا صبر الإنسان نفسه ، وامتثل أمر ربه ، وعرف جزيل الثواب ، وعلم أن مقابلته للمسيء بجنس عمله ، لا يفيده شيئًا ، ولا يزيد العداوة إلا شدة ، وأن إحسانه إليه ، ليس بواضع قدره، بل من تواضع للّه رفعه ، هان عليه الأمر ، وفعل ذلك ، متلذذًا مستحليًا له .

(وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) لكونها من خصال خواص الخلق ، التي ينال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة ، التي هي من أكبر خصال مكارم الأخلاق" انتهى .

وفي صحيح مسلم (2558) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي قَرَابَةً : أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي ، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ ؟!!

فَقَالَ : ( لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ ) .

ثانيا :

هذه الذي ذكرناه هو المرتبة العليا في معاملة الخلق ، لكن من لم يقو على ذلك ، أو ينكف عنهم أذاه بإحسانه ، وكان يخشى من مخالطتهم أن يضروه بسحر ، أو غيره من أشكال الأذى والضرر ، كما ذكر في السؤال ، فله أن ينقطع عنهم ، ويهجرهم ، اتقاءً لشرهم .

قال ابن عبد البر رحمه الله :

" وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث إلا أن يكون يخاف من مكالمته وصلته ما يفسد عليه دينه ، أو يولد به على نفسه مضرة في دينه أو دنياه ، فإن كان ذلك فقد رخص له في مجانبته وبعده ، ورب صرم [أي : مقاطعة وهجر] جميل خير من مخالطة مؤذية .

قال الشاعر:

إذا ما تقضي الود إلا تكاشرا ... فهجر جميل للفريقين صالح " انتهى .

"التمهيد" (6/127) .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

أهل زوجتي يكدرون علي وعلى زوجتي فما حكم هجرهم وترك زيارتهم ؟

فأجاب : " لك أن لا تزورهم ، إذا كان في زيارتهم مفسدة عليك ، أو إفسادٌ لزوجتك ؛ فلك أن تمتنع من زيارتهم ، ولك أن تمنع زوجتك من زيارتهم أيضاً " انتهى .

"فتاوى نور على الدرب" (12/ 474-475) .

والله أعلم .

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·صلة الرحم

سؤال رقم ١٨٬٦٣٣

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب صلة الرحم ‹