الآداب والأخلاق والرقائق · الأخلاق المذمومة

حكم استعمال الخيال والكذب في الشعر

سؤال وجواب رقم ٢٠٬١٦٦

السؤال

هل استخدام الخيال في الشعر ، والمبالغة في تصوير الحال يعد من الكذب ؟ خصوصاً وأن هناك عبارة تتردد كثيرا بين الشعراء و النقاد مفادها أن ( أعذب الشعر أكذبه ) .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

الشعر كلامه ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيحه . هكذا قال الشافعي رحمه الله ، وقد روي مرفوعا ؛ أخرجه الدارقطني من حديث عائشة , وفيه عبد العظيم بن حبيب وهو ضعيف . وينظر : الأم (8/ 420)، التلخيص الحبير (4/ 374) .

ولا حرج في استخدام الخيال والمبالغة ، ما لم يصل به إلى الكذب الصريح .

وقول من قال : أعذب الشعر أكذبه ، محمول على المبالغة التي لا تصل إلى الكذب ، فإن وصل إلى الكذب كان حراما ، وفي كونه أعذب الشعر حينئذ نظر .

قال عبد القاهر الجرجاني رحمه الله في "أسرار البلاغة" ص 240 : " وكيف دار الأمر فإنهم لم يقولوا : " خير الشعر أكذبه " وهم يريدون كلاما غفلا ساذجا يكذب فيه صاحبه ويفرط ، نحو أن يصف الحارس بأوصاف الخليفة ، ويقول للبائس المسكين إنك أمير العراقين ، ولكن ما فيه صنعة يتعمَّل لها ، وتدقيق في المعاني يحتاج معه إلى فطنة لطيفة ، وفهم ثاقب ، وغوص شديد ، والله الموفق للصواب " انتهى .

وقال الدكتور عبد العزيز قاري حفظه الله : " ولما كان الخيال صورة من صور الكذب ، قيل : إن أعذب الشعر أكذبه . ولكن ليس ذلك على إطلاقه ، فإن العمدة في حسن الشعر وجودته على صدق الشعور ، وجمال التعبير.. ، وكم من أبيات اعتبرت من عيون الشعر بينما هي لا تعتمد على أي صورة كاذبة ، وإنما تتجلى بلاغتها في حسن إصابتها للمعنى الصحيح وحسن صياغتها في تعبير جميل .. ولعل حسان رضي الله عنه كان يعني هذا الميزان حينما قال:

وإن أشعر بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا

إلا أن الذي غلب على الشعراء المبالغة في الصور البيانية ، إلى حد التخييل الكاذب الصريح .. وخاصة في مقاصد الوصف والمدح والهجاء ، فتسابقوا إلى الإغراب في ذلك ، وإلى ابتداع المعاني الموغلة في الاستحالة ، زاعمين أنه بذلك يحلو الشعر ويستعذب.. فمن قائل:

بكت لؤلؤاً رطباً فسالت مدامعي عقيقاً فصار الكل في جيدها عقدا

وقائل:

وجذت رقاب الوصل أسياف هجرها وقدت لرجل البين نعلين من خدي

وقائل:

بح صوت المال مما منك يشكو ويصيح

ولعمري لو كان هذا الميزان صحيحاً إذاً لكان أكثر حسناً وعذوبة في الشعر قول أبي نواس:

وأخفت أهل الشرك حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق

أو قول المتنبي:

يترشفن من فمي رشفات هن فيه أحلى من التوحيد

والنقاد يجمعون على استهجان مثل هذا الشعر ، مع أنه أشد إغراقا في الكذب ، فالنطف التي لم تخلق لا تخاف صاحب أبي نواس ، وربما حتى لو خلقت ، والرشفات من فم المتنبي حاشا أن تكون أحلى ( من التوحيد ) ... ، فكل هذا مستقبح مستهجن مع أنه من أكذب ما قيل من الشعر...

ولكن لعلك تستعذب معي مثل قول كثير:

وكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ود جليسها إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

أو قول جرير في الفخر:

إذا غضبت عليك بنو تميم حسبت الناس كلهم غضاباً

أو قول المتنبي في مطلع قصيدة:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرم المكارم

أو قول عنترة العبسي:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

فهل تجد في هذه الأبيات شيئاً من الصور الكاذبة المستحيلة ؟ ومع ذلك فهي من أعذب الشعر وأجوده ، حتى لقد قيل في قول كثير عزة :

من الخفرات البيض ود جليسها

إنه أرق شعر قيل في النسيب ، ولو تأملت هذا المقام لوجدت أن حسن الشعر يتجلى في أمرين:

الأمر الأول: صدق المعنى الذي يذكره في البيت ، أو صدق الشعور الذي يعبر عنه.

والأمر الثاني : جمال الصورة التعبيرية التي يختارها لأداء ذلك المعنى وإبراز ذلك الشعور " انتهى من "مجلة الجامعة الإسلامية" العدد العاشر .

ثانيا :

نص الفقهاء على تحريم الشعر إذ اشتمل على الكذب الصريح .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : " والذي يتحصل من كلام العلماء في حد الشعر الجائز : أنه إذا لم يكثر منه في المسجد ، وخلا عن هجو ، وعن الإغراق في المدح والكذب المحض ، والتغزل بمعينٍ لا يحل . وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على جوازه إذا كان كذلك " انتهى من "فتح الباري" (10/ 539).

وقال زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (4/ 346) : " ( فإن أكثر الكذب فيه ) أي في شعره ( ولم يمكن حمله على المبالغة : ردت شهادته ) ، وإلا فلا كسائر أنواع الكذب ( وإن قصد به إظهار الصفة ، لا إيهام الصدق ) فإن شهادته ترد ، خلافا للقفال والصيدلاني " انتهى.

وقال ابن حجر المكي في "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/ 355) : " الكبيرة الستون والحادية والستون بعد الأربعمائة : الإطراء في الشعر بما لم تجر العادة به ، كأن يجعل الجاهل أو الفاسق مرة عالما أو عدلا ، والتكسب به مع صرف أكثر وقته ، وبمبالغته في الذم والفحش إذا منع مطلوبه ".

والحاصل :

أن استخدام الخيال ، والصور البيانية ، في عرض المعاني الشعرية : ليس من الكذب ، لكن بحيث لا يفرط فيه حتى يخرجه إلى الكذب المحض ، أو أيهام الصدق .

والله أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأخلاق المذمومة ‹