الآداب والأخلاق والرقائق · بر الوالدين

هل يأثم المسلم على بغض والديه القلبي في حال خالفوا الشرع؟

سؤال وجواب رقم ٢٢٬١٤٣

السؤال

هل إن كان الشخص يكره والده ولا يحبه ، مع حسن معاملته ومحاولة برِّه ، يأثم بهذه المشاعر ، مع العلم أن والده هو من تسبَّب في هذه المشاعر بقسوته وأسلوبه في المعاملة مع الأبناء ؟ .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

إن الله تعالى أمر الأبناء ببر والديهم والإحسان إليهم ، ونهاهم عن عقوقهم والإساءة إليهم ، وغرس فيهم من المحبة الفطرية ما يعينهم على ذلك البر والإحسان ، وينفرهم من العقوق والعصيان .

فإذا ما قدر أن يقع من الوالدين ، أو أحدهما ، شيء من المعاصي الشرعية التي يطلع عليها الأبناء ، أو تلك التي تكون في حق أبنائهم أصالة ، فينبغي على الابن أن ينظر إليهما بعين الرحمة والشفقة على ما وقعا فيه ، والحرص على هدايتهما ونجاتهما من معصية الله جل جلاله.

فإذا غلب الإنسان ، فوقع في قلبه شيء من الكراهة لهما ، فليجاهد نفسه على ضبط الأمور ، فتكون الكراهة لفعلهما ، وليس لذاتهما ؛ بحيث يكون اجتهاده ورغبته الصادقة في نجاتهما من معصية الله ، ورجوعهما إلى طاعته ، ليزول الداعي إلى تلك الكراهة .

فإذا غلب ـ أيضا ـ على شيء من ذلك ، أو بقي في قلبه من النفرة أو البِغضة ، التي لها سبب ظاهر ، ما لم يجد له دفعا ، فيرجى له ألا يؤاخذ بذلك ، إن شاء الله ، وألا يكون عليه فيه حرج ، لا سيما إذا كان ذلك في حق والد كافر ، أو ظاهر الفسوق والعصيان ، أو مبتدع منافر للسنة وأهلها ، أو نحو ذلك .

غير أن ذلك كله ليس عذراً يبيح التفريط في برهما ، أو الوقوع في شيء من العقوق الظاهر لهما ، بالقول أو بالفعل . قال تعالى – في حق الوالدين المسلميْن - : ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23 ، 24 .

وينظر جواب السؤال رقم ( 122135 ) .

سئل علماء اللجنة الدائمة :

إنني أجد بغضا وكراهية لأبي ؛ وذلك غضباً لله عز وجل ، فإنه ما من بيت من بيوت الجيران إلا ونظر على شأنهم ، وكم من المشاكل حدثت بسبب هذا الموضوع ، وعلمت حقّاً بما قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سيأتي زمان على هذه الأمة يذوب فيه قلب المؤمن كما يذاب الملح في الماء ، وذلك لكثرة ما يجد ولا يقدر أن ينكره ، وإنه يسبب لي المشقة لعلمي أن معصية الوالدين من الكبائر .

فأجابوا :

عليك بالإحسان إلى والدك وبذل المعروف له وطاعته في غير معصية الله عز وجل ، وحاولي بذل النصيحة له إن قدرت عليها ولم تخشي مفسدة أعظم .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ عبد الله بن قعود .

" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 25 / 155 ، 156 ) .

وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - :

أبونا قد هجر أمَّنا ، هو يعاملنا بقسوة ، ولا يعطينا شيئاً ، علماً بأنه يملك الكثير من الأموال ، مما أحدث في قلوبنا شيء من الكراهية له ، فبماذا توجهونه ؟ مأجورين .

فأجاب :

الواجب عليه : أن ينفق على أبنائه إذا كانوا فقراء ، الواجب عليه : أن ينفق عليهم ، وأن يعاملهم باللطف والإحسان والخلق الحسن ، والواجب على أولاده أيضاً : أن يعرفوا قدْره ، وأن يبرُّوه ، وأن يخاطبوه بالتي هي أحسن ، وإذا دعت الحاجة إلى أن يرفعوا الأمر إلى المحكمة : فلا بأس ، يقولون : والدنا ، ونحن فقراء ولم ينفق علينا ، يرفعون أمره إلى المحكمة ، وإذا توسط لهم بعض الطيبين من الجيران والأقارب لدى الوالد حتى ينفق : فهذا أحسن من المحكمة ، أحسن من الخصومة .

وصيتي للأولاد : الرفق ، والبر بالوالد ، والكلام الطيب مع الوالد .

ووصيتي للوالد : أن يتقي الله ، وأن ينفق على أولاده المحتاجين ، وأن لا يحوجهم إلى الشكوى إلى المحكمة ، أو إلى توسط للناس ، يجب أن يعدل من نفسه ، وأن يعرف ما أوجب الله عليه ، وأن ينفق عليهم ما داموا فقراء ، وأن يحسن إليهم ، وأن لا يحوجهم إلى شكوى ولا إلى غيرها ، وعلى الأولاد جميعاً أن يجتهدوا في برِّ والدهم ، والكلام الطيب معه ، ومخاطبته بالتي هي أحسن ، وإذا دعت الحاجة إلى أن يطلبوا من أعمامهم أو من بعض جيرانهم أو أصدقاء والدهم أن يتوسطوا لدى والدهم بالإحسان إليهم وإيتاء حقهم بدلاً من الشكوى : فهذا أطيب ، وأحسن .

" فتاوى نور على الدرب " ( شريط رقم 261 ) .

فالوصية لمن كان هذا حاله :

أن تحتفظ بشعورك تجاه والدك في قلبك ، وأن تجاهد نفسك للتخلص منه ، وأن تصبر على ما ترى من والدك ، وأن تعينه على طاعة ربه وأن لا يقع في مخالفة شرعية ، ولا تنس أن برَّه عليك واجب ، وعقوقه محرَّم ، فأحسن إليه ، وادع الله أن يهديه فهذا من حقه عليك .

وما سبق كله هو في حال أن يكون الوالد مرتكباً لمعصية بينة ، أو منكر يُغضب الله ، وأما أن يكون ما يصدر من الأب ضبطاً لأولاده في أفعالهم ، وقسوة في محلها على المخالف : فمثل هذا لا يجوز معه بغضه البغض القلبي ، ولا ينطبق عليه ما ذكرناه سابقاً ، فليُنتبه لهذا ، فإن كلامنا في العُصاة الظلمة والقُساة البُغاة ، وليس فيمن يقسو في مكانه ، ويضع حدّاً لمخالفات أولاده بما يردعهم ويربيهم .

وانظر أجوبة الأسئلة : ( 7722 ) و ( 87802 ) و (245 ) و (2621 ) .

والله أعلم

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب بر الوالدين ‹