الآداب والأخلاق والرقائق · التوبة

أسئلة متعددة لتائب من عمله في قناة فضائية

سؤال وجواب رقم ٢٤٬٦٩٦

السؤال

بخصوص عملي في مكتبة قناة سي إن بي سي عربية ، وأنا - إن شاء الله - على وشك ترك هذا العمل ، وأرجو من الله أن يتسع صدركم للسؤال وهو أنه كان راتبي 6000 درهم إماراتي ، وادخرت منه عشرين ألف درهم في خلال عام ونصف هي فترة عملي .

1. هل يُعتبر هذا المال مختلطاً حيث القناة كانت اقتصادية إخبارية في المقام الأول ، كما كانت تذيع برامج دينية مثل " المال في الإسلام " و " رياض الذِّكر " ، ولكن تبث برامج عن السينما والفنانين وظهور المذيعات المتبرجات والموسيقى التصويرية ...إلخ ، مع العلم أنها كانت لا تذيع أفلاماً ولا مسلسلات .

2. مساعدتي في كيفية تحديد مقدار المال الحلال إن كان المال مختلطاً .

3. كل الذي قبضته من هذا العمل خلال عام ونصف هو 108,000 درهم وادخرت منهم عشرين ألف درهم ، والباقي سكن ، وسيارة ، ومصاريف معيشة ، فلو كان المال حراماً هل عليَّ أن أنفق العشرين ألف درهم في مصالح المسلمين ( كمساعدة أخي على الزواج ) وأن ادَّخر من عملي الجديد باقي ال 108,000 درهم لأخرجهم في مصالح المسلمين حتى أطهر نفسي من ذلك العمل في هذه القناة ؟

3. هل يجوز لي الاحتفاظ بالعشرين ألف درهم لشراء شقة لي في بلدي ، حيث أسكن في شقة ليست ملكي ، بل هي ملك أمي ولي أربعة إخوة ؟ .

4. هل عليَّ زكاة في العشرين ألف درهم ؟ .

5. هل سينطبق عليَّ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : (من سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها) من حيث إن كل من يشاهد القناة ويشاهد المذيعات المتبرجات أو نساء يظهرن في الأخبار الإخبارية والاقتصادية يكون عليَّ وزر ؟ وكيف التوبة منه ؟ .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

نحمد الله تعالى أن وفقك للتوبة ، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منك ويزيدك هدى .

ثانياً :

لا شك أن القنوات الفضائية الإخبارية منها وغير الإخبارية فيها من المحرمات الشيء الكثير ، كالاختلاط بين الرجال والنساء ، وتبرج النساء الفاضح ، والموسيقى ، والدعايات المحرمة ، وذِكر الفوائد الربوية وأخبار البنوك والشركات المحرَّمة ، والإعلان عن الأفلام والأزياء والأغاني وغيرها من المحرمات ، مع ما فيها من التضليل في الجانب العقائدي والأخلاقي .

لذا فإنه لا يجوز العمل في هذه القنوات لما فيها من منكرات واضحة بيِّنة ، ولعل الموظفين بهذه القنوات على علم بخفايا أكثر مما يظهر للناس من محرمات ومنكرات .

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من اكتساب المال الحرام .

فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) رواه الترمذي ( 2417 ) ، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" .

وليعلم المسلم أنه يجب عليه البحث عن الرزق الحلال ، وقد تكفل الله تعالى برزق الناس ، ولن تموت نفس حتى تستوفي رزقها كما تستوفي أجلها .

قال الله تعالى : ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) هود/6 .

وقال تعالى : ( هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ ) الملك/15 .

قال ابن كثير رحمه الله :

أي : فسافروا حيث شئتم من أقطارها ، وترددوا في أقاليمها وأرجائها ، في أنواع المكاسب والتجارات ، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئاً إلا أن ييسره الله لكم .

" تفسير القرآن العظيم " ( 8 / 179 ) .

ثالثاً :

إذا كنت لا تعلم تحريم هذا العمل ، أو سألت من تثق في دينه وعلمه فأفتاك بجواز العمل في هذه القناة ، فإن ما أخذته من راتب فهو حلال لك ، ولا حرج عليك من الانتفاع به ، بشرط أن تترك هذا العمل فورا ، وتكف عن معصية الله تعالى ، فإن الله تعالى قال عمن كان يتعامل بالربا ثم انتهى عنه لما نزل تحريمه : (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) البقرة/275 .

وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء - لمن عمل في بنك وهو جاهل بحكم العمل - :

إذا كان الواقع كما ذكرتَ بعد أن أُخبرت أنه لا يجوز العمل في بنك : فلا حرج عليك فيما قبضته من البنك مقابل عملك لديه مدة الأشهر المذكورة ، ولا يلزمك التصدق به ، وتكفي التوبة عن ذلك ، عفا الله عنا وعنك.

" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 2 / 402 ) .

أما إذا كنت تعلم أن العمل في هذه القناة محرم ، ومع ذلك عملت فيها ، فالمال المكتسب منها حرام ، لكن التخلص منه ووجوب إنفاقه في أوجه البر والخير يكون حسب التفصيل الآتي :

1- عملك ليس حراما بنسبة مائة في المائة ، وإنما هو مختلط ، فيه الحلال ، وفيه الحرام ، فالبرامج الدينية التي ذكرتها ، أو الإخبارية أو الاقتصادية التي لا تشجع على الربا ولا على المعاملات المحرمة ، فهذه البرامج ليست محرمة ، وإن كان يدخل فيها شيء من الحرام بسبب المنكرات التي فيها ، كالموسيقى أو تبرج النساء .

أما برامج الغناء أو الموسيقى أو الكلام عن السينما ونحو ذلك ، فهذه برامج محرمة .

ولا يلزمك التخلص إلا من المال الذي يقابل العمل المحرم ، ويمكن تحديد ذلك عن طريق ساعات الدوام ، فتنظر كم من هذه الساعات يكون في عمل مباح ، وكم منها يكون في برامج محرمة ؟

فإن أعياك الأمر ولم تستطع تحديده لتداخل الحرام مع الحلال ، فيلزمك التخلص من نصف المال ، باعتبار اقتسام الوقت نصفين بين العمل المباح والعمل المحرم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

"وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما : جعل ذلك نصفين" انتهى .

" مجموع الفتاوى " ( 29 / 307 ) .

2- ما أنفقته من هذا المال الحرام لا يلزمك تقديره ولا التصدق به ، وإنما يلزمك التصدق بما هو موجود قد بقي مدخرا معك من هذا المال .

فما أنفقته في السكن ومصاريف المعيشة فهو مما عفا الله عنه ، فلا يلزمك أن تتصدق ببدله ، ما دمت قد تبت وأقلعت عن العمل المحرم .

وأما السيارة ، فإن كنت محتاجاً إليها ، وتقع في مشقة شديدة بدونها ، فنرجو ألا يكون عليك حرج في إبقائها والانتفاع بها ، أما إذا كنت مستغنياً عنها ولست محتاجا لها حاجة ماسة فإما أن تبيعها وتتصدق بثمنها ، وإما أن تبقيها وتتصدق بثمنها وتكون السيارة حلالاً لك .

3- لا مانع من إعطاء أخيك من هذا المال إذا كان محتاجاً لإعانته على الزواج ، كما يجوز لك أن تأخذ من هذا المال لنفسك إذا كنت محتاجاً ، ولو كان جزءً يكون لك رأس مال تستعمله في الاتجار بعمل مباح .

قال النووي رحمه الله :

قال الغزالي : وإذا دفعه – أي : المال المحرم بعد التوبة - إلى الفقير : لا يكون حراماً على الفقير , بل يكون حلالاً طيباً , وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيراً ؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء : فالوصف موجود فيهم , بل هم أولى من يتصدق عليه , وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته ؛ لأنه أيضا فقير .

" المجموع " ( 9 / 351 ) .

وقد بسط ابن القيم رحمه الله الكلام على هذه المسألة في " زاد المعاد " ( 5 / 778 ) وقرر أن طريق التخلص من هذا المال وتمام التوبة إنما يكون : " بالتصدق به ، فإن كان محتاجاً إليه : فله أن يأخذ قدر حاجته ، ويتصدق بالباقي " انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

فإن تابت هذه البغي ، وهذا الخمَّار، وكانوا فقراء : جاز أن يُصرف إليهم من هذا المال قدر حاجتهم ، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل أُعطي ما يكون له رأس مال .

" مجموع الفتاوى " ( 29 / 308 ) .

وينظر : جواب السؤال (78289) .

وأما الاحتفاظ بالعشرين ألف الباقية معك لشراء شقة ، فلا يجوز الاحتفاظ بالمال الحرام من أجل ذلك ، ما دمت تجد شقة تسكن فيها ، ولو كان ذلك بالإيجار .

فعليك تقدير الحرام من هذا المال المتبقي – حسب التفصيل السابق- والتصدق به .

وأما زكاة العشرين ألف درهم ، فما كان منها حراما ستتخلص منه فلا زكاة فيه ، لأنه ليس ملكا لك .

قال النووي رحمه الله :

"قال الغزالي : إذا لم يكن في يده إلا مال حرام محض : فلا حج عليه ، ولا زكاة ، ولا تلزمه كفارة مالية , فإن كان مال شبهة فليس بحرام محض : لزمه الحج إن أبقاه في يده ؛ لأنه محكوم بأنه ملكه , وكذا الباقي" انتهى .

" المجموع " ( 9 / 352 ، 353 ) .

وأما دخولك في حديث : (من سن سنة سيئة ...) فلا تدخل فيه إذا تبت واجتهدت في إصلاح العمل ، قال الله تعالى : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه/82 .

وقال تعالى : (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) المائدة/39 .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) رواه ابن ماجه (4250) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه .

والله أعلم .

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·التوبة

سؤال رقم ٢٤٬٦٩٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب التوبة ‹