الآداب والأخلاق والرقائق · العقيدة

حكم من تكررت منه الردة

سؤال وجواب رقم ٢٥٬٠٨١

السؤال

تنص سورة النساء على أن الله لن يقبل إسلام من يكفر أكثر من 3 مرات ، ولن يهديه ، فهل يشمل ذلك ترك الصلاة على سبيل المثال 3 مرات ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الحمد للَّه

القاعدة العظيمة التي يقررها الله سبحانه وتعالى في وحيه ، ويذكر أنها قاعدة الحساب ومبدأ الثواب والعقاب ، أن التوبة تَجُبُّ ما قبلها ، وأن الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأن باب التوبة مفتوح لكل عبد ، ولو وقع في الذنب والكفر مرّاتٍ ومرّاتٍ ، فإنَّ كرمه سبحانه وتعالى ورحمته بعباده اقتضت أن تقبل توبة التائب ويغفر له ذنبه .

يقول الله عز وجل : ( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ ) الأنفال/38

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) رواه مسلم (121)

كما جاءت الآيات تدل على قبول توبة المرتد إذا عاد إلى الإسلام وصدقت توبته :

يقول سبحانه وتعالى : ( كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ )

وبعد ذلك كله قال سبحانه : ( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) آل عمران/86-89

أما من ارتد ثم ازداد كفرا وطغيانا ، ولم يتب ، ولم يرجع إلى الإسلام ، فهذا هو الذي جاءت الآية في سورة النساء – التي قصدها السائل الكريم – وجاءت آية آل عمران أيضا بعدم قبول توبته .

يقول سبحانه وتعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ) آل عمران/90-91

وقال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) النساء/137

يقول ابن كثير رحمه الله في "تفسير القرآن العظيم" (1/753) :

" يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه ، ثم عاد فيه ، ثم رجع واستمر على ضلاله ، وازداد حتى مات ، فإنه لا توبة بعد موته ، ولا يغفر الله له ، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا ولا طريقا إلى الهدى ، ولهذا قال : ( لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ) قال ابن أبي حاتم .. عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ثم ازدادوا كفرا ) قال : تمادوا على كفرهم حتى ماتوا . وكذا قال مجاهد " انتهى .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" (16/28-29) :

" وهؤلاء الذين لا تقبل توبتهم قد ذكروا فيهم أقوالا :

قيل لنفاقهم ، وقيل : لأنهم تابوا مما دون الشرك ولم يتوبوا منه ، وقيل لن تقبل توبتهم بعد الموت ، وقال الأكثرون كالحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدى : لن تقبل توبتهم حين يحضرهم الموت ، فيكون هذا كقوله ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) النساء/18

و كذلك قوله ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ) النساء/137

قال مجاهد وغيره من المفسرين : ( ازدادوا كفرا ) ثبتوا عليه حتى ماتوا .

قلت ( هو ابن تيمية ) : وذلك لأن التائب راجع عن الكفر ، ومن لم يتب فإنه مستمر ، يزداد كفرا بعد كفر ، فقوله : ( ثم ازدادوا ) بمنزلة قول القائل : ثم أصروا على الكفر ، واستمروا على الكفر ، وداموا على الكفر ، فهم كفروا بعد إسلامهم ، ثم زاد كفرهم وما نقص ، فهؤلاء لا تقبل توبتهم ، وهي التوبة عند حضور الموت ؛ لأن من تاب قبل حضور الموت فقد تاب من قريب ، ورجع عن كفره ، فلم يزدد ، بل نقص ، بخلاف المصر إلى حين المعاينة " انتهى .

ولم يختلف أهل العلم في أن المرتد إذا صدقت توبته ورجع إلى الإسلام ، فإن الله سبحانه وتعالى يقبله عنده ويغفر له ما قد مضى وسلف ، وإن تكررت ردته .

هذا بالنسبة لما عند الله تعالى في الآخرة .

وأما بالنسبة لأحكام الظاهر في الدنيا فقد قال بعض أهل العلم بأن من تكررت ردته فإننا نقتله ولا نقبل توبته ، فالخلاف بين أهل العلم هو في قبول التوبة من حيث أحكام الظاهر ، وليس بالنسبة لما عند الله سبحانه وتعالى .

يقول ابن قدامة في "المغني" (12/271ط هجر ) :

" وفي الجملة ، فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا وترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم .

وأما قبول الله تعالى لها في الباطن ، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا ، فلا خلاف فيه " انتهى .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "مجموع الفتاوى" (16/30) :

" والفقهاء إذا تنازعوا فى قبول توبة من تكررت ردته أو قبول توبة الزنديق ، فذاك إنما هو فى الحكم الظاهر ؛ لأنه لا يوثق بتوبته ، أما إذا قدر أنه أخلص التوبة لله فى الباطن ، فإنه يدخل فى قوله : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/53 " انتهى .

على أن الصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته مقبولة في أحكام الظاهر أيضا ، وتجري عليه أحكام الإسلام ، وهو قول جماهير أهل العلم : الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية ، وآخر قولي أحمد بن حنبل .

انظر حاشية تبيين الحقائق (3/284) ، فتح القدير (6/68) ، الإنصاف (10/332-335)

تحفة المحتاج (9/96) ، كشاف القناع (6/177-178) ، "الموسوعة الفقهية" (14/127-128)

وعزا في المبسوط (10/99-100) لعلي وابن عمر عدم قبول توبة من تكررت ردته .

وعليه فإن توبة تارك الصلاة مقبولة إذا صدق ، ولو تكرر منه الترك مرات كثيرة ، ولكن على العبد أن يحذر ، فقد تأتيه المنية قبل أن يوفق للتوبة ، وقد يعجل الله تعالى عقوبته في الدنيا قبل الآخرة .

نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته الواسعة .

والله تعالى أعلم .

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·العقيدة

سؤال رقم ٢٥٬٠٨١

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب العقيدة ‹