الآداب والأخلاق والرقائق · الأخلاق المذمومة

مبتلى بالعادة السرية ويعاني من الاغتسال فهل يصلي بوضوء وهو جنب ؟

سؤال وجواب رقم ٢٦٬٩٧٤

السؤال

أنا شاب نشأت نشأة متدينة ، أحفظ القرآن الكريم ، أدمنت تحسس أعضائي والعبث بها ، لم أكن أعلم أن ما أمارسه هو العادة السرية إلا بعد سنوات ، ولم أكن أعلم أنها تسبب الجنابة والحدث الأكبر .

أنا أدمنت إدماناً شديداً على فعل هذه العادة ، حتى إني أفعلها في اليوم ثلاث مرات .

لما علمت أنها تسبب الجنابة ، وأنها توجب الغسل : بدأت في بادئ الأمر أغتسل ، ولكن لا فائدة ، فلا يكاد ينتصف اليوم حتى أفعلها ، أصبحت أكتفي بالوضوء للصلاة وقراءة القرآن ؛ لأنه يصعب الاغتسال في كل مرة ، بدأت أشك في صحة صلاتي وأنها باطلة ، ثم بدأت أتهاون بها ، ولا أحرص عليها إلا إذا اغتسلت ، ثم خفت أن أكون كافراً فقررت أن أتوضأ وأصلي حتى لا أتَعَوَّد على تركها .

لقد حاولت تركها مرات ليست بالقليلة ولكن جميعها فشلت ، أقصى مدة استطعت أن أبقى فيها بدون استمناء ثلاثة أيام فقط ثم أعود وأمارسها بشراهة .

هل أستمر على ما أنا عليه وأحضر الصلاة مع الجماعة متوضأً الوضوء العادي فقط ، أم أتركها وأجمعها إلى حين أغتسل ؟ وهل أقرأ القرآن في تلك الفترة ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

لا بدَّ أن نقف معك قليلاً قبل أن نجيب على أسئلتك ، فقد سرَّنا أنك راسلتنا ، وذكرت لنا ما تعانيه من تسلط الشيطان على نفسك ، وساءنا أن وصل بك المقام إلى هذا الحد ، لكننا نرجو ربنا تعالى أن يوفقك ويهديك لأحسن الأخلاق والأفعال ، ونرى أن حفظك للقرآن وحبك للطاعة والعبادة وبخاصة الصلاة ، سيكون ذلك سبباً – إن شاء الله – في حفظك وهدايتك .

ثانياً :

واعلم أن ما تفعله من ممارسة العادة السرية السيئة قد فعله كثيرون ، ووفقهم الله إلى التوبة منه ، والأسباب في انقطاع هؤلاء عنها كثيرة ، فبعضهم يتركها خوفاً من الله ، وحياءً منه سبحانه وتعالى ومن ملائكته الكرام ، فهو يعتقد أن الله تعالى يراه ، فيتركها حياء منه ، ويعلم أن الملائكة تراه ، فيتركها حياء منهم ، ويعلم أن الله حرَّمها فيخاف عقوبته ، ومن هؤلاء من يتركها لما يقف عليه من أضرارها الكثيرة ، على النفس ، والبدن ، ويعلم أنها ستؤثر على حياته الزوجية ، فيتركها خوفاً من أن تصيبه عواقبها ، ومن هؤلاء من يتركها لأنها تتنافى مع فطرته السوية ، وعقله الذي وهبه الله إياه .

وفي ظننا أنك ستتركها من أجل كل ما سبق ، فقد وهبك الله قوة وشباباً ، وصحة وعافية ، واستقامة وهداية ، وهي نِعَم لا يمكن لك أن تؤدي شكر بعضها لو عشت عمر نوح عليه السلام ، تصلي وتطيع ربك ، فهل هذا هو شكر هذه النعم ؟ وبما أنك تحفظ كتاب الله تعالى ، وتعلم حكم ترك الصلاة فإن ذلك سيدفعك للتفكير مليّاً في أن هذه العادة أدَّت بك إلى التفريط في أعظم أركان الإسلام العملية وهي الصلاة ، وأن بتركك لها ستصير في زمرة المشركين والمرتدين عن دين الله ! فظننا بك حسنٌ ، وهو أنك ستترك هذه العادة حياء من الله تعالى وملائكته ، وخوفاً من عقوبته ، ولما يترتب عليها من آثار سيئة على النفس والبدن ، ولما هو بيِّن في الشرع من تحريمها .

فهذا هو الظن بك ، ونرجو أن لا يخيب ظننا بك ، ونرجو منك – بعد كل هذا – أن تفكِّر في شيئين اثنين لا ثالث لهما :

الأول : ماذا لو رآك أحد المشايخ الكبار والعلماء الأجلاء الذين تثق بهم وتحترمهم ؟

ماذا لو رآك وأنت تمارس هذه العادة السيئة ؟! هل ستطيب لك حياة ؟ هل تستطيع مواجهته بعد ذلك ؟

فاعلم أن الله تعالى يراك ويطلع عليك ! واعلم أن ملائكته الكرام يرونك ! .

الثاني : نأمل أن تفكِّر للحظة واحدة أن يقدِّر الله تعالى عليك الوفاة وأنت تمارس هذه العادة ! فهل يرضيك أن تكون هذه هي خاتمتك ؟ هل يرضيك أن تُبعث من قبرك وأنت على هذه الحال ؟ وهل يرضيك أن تموت جنباً من فعل محرَّم ؟!

نأمل أن تفكر في هذين الأمرين ، لتراسلنا بعدها معاهداً نفسك على عدم فعلها ، وسالكاً سبيل تعمير القلب بالإيمان واليقين ، ومبتعداً عن كل سبب يؤدي فعل هذه العادة ، كالنظر المحرَّم ، والخلوة ، والقراءة للقصص المهيجة ، وغيرها من الأسباب ، وننتظر رسالة منك تخبرنا بها أنك تائب إلى الله تعالى ، محافظ على الطهارة والصلاة ، وعسى أن لا يخيب ظننا بك ، وعسى أن يكون ذلك قريباً .

ثالثاً :

اعلم أن نزول المني بشهوة موجب للاغتسال ، وأنه لا يحل لك الاكتفاء بالوضوء للصلاة بعد أن تكون جنباً ، وهذا لا خلاف فيه ، ولن نقول لك توضأ وصلِّ فهو خير من عدم صلاتك ؛ لأن في هذا غشّاً في الفتوى ، وغشّاً لك ، بل نقول لك جازمين : الصلاة من غير اغتسال في حال الجنابة باطلة ، وفعلها مع علمك بهذا نوع من أنواع الاستهزاء بالشريعة .

والصلاة من غير طهارة كبيرة من كبائر الذنوب ، يستحق صاحبها العذاب في القبر ، واسمع لهذا الحديث الذي رواه الطحاوي في مشكل الآثار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أُمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة ، فلم يزل يسأل الله ويدعوه حتى صارت واحدة ، فامتلأ قبره عليه ناراً ، فلما ارتفع عنه أفاق فقال: علام جلدتموني ؟ قالوا : إنك صليت صلاة بغير طهور ، ومررت على مظلوم فلم تنصره) حسنه الألباني في صحيح الترغيب (2234) .

فهذه عقوبة من صلى صلاة واحدة بغير طهارة ، فهل تقوى عليها ؟

وإياك أن تستجيب لنزغات الشيطان الذي يدعوك لترك الصلاة ، وقد تزين لك نفسك ذلك ، فراراً من هذه العقوبة .

ولكن . . ليس هكذا يكون الفرار من العذاب ، فمثل ذلك كمثل من فر من شيء إلى ما هو أسوأ منه .

لأن ترك الصلاة كفر مخرج من الإسلام ، والكافر خالد مخلد في النار أبداً ، فاعلم هذا وتيقنه ، فلعله أن يفيدك في أن تعلم الحال الذي أوصلتك له تلك العادة السيئة ، ولعلك أن تسارع في إصلاح الخطأ والخلل الذي أصاب حياتك بسبب تلك الفعلة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

الطهارة من الجنابة فرض ، ليس لأحدٍ أن يصلي جُنُباً ، ولا محدثا حتى يتطهر ، ومَن صلَّى بغير طهارة شرعية مستحلا لذلك : فهو كافر ، ولو لم يستحل ذلك : فقد اختلف في كفره ، وهو مستحق للعقوبة الغليظة .

" مجموع الفتاوى " ( 21 / 295 ) .

والفرار من العذاب يكون بالفرار إلى الله تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِين) الذاريات/50.

وكل من خفت منه ففرت منه ، إلا الله تعالى فإنك إذا خفته ففرت إليه ، والفرار إليه معناه : الفرار مما يكرهه الله إلى ما يحبه ، الفرار من المعصية إلى الطاعة ، من الكفر إلى الإيمان ، من البدعة إلى السنة ، من الغفلة إلى الذكر .

نسأل الله أن يطهر قلبك ويحصن فرجك ، وأن يوفقك لما يحب ويرضى .

والله الموفق

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأخلاق المذمومة ‹