الآداب والأخلاق والرقائق · الأذكار الشرعية

هل من السنة أن يقول المسلم إذا رأى ما يعجبه إن العيش عيش الآخرة

سؤال وجواب رقم ٢٩٬٨٧٠

السؤال

وصلتني رسالة من أخت هذا نصها : " سنة مهجورة ذكرها الشيخ ابن عثيمين ، قال رحمه الله : من السنة إذا رأى الإنسان ما يعجبه في الدنيا أن يقول : " لبيك إن العيش عيش الآخرة "؛ لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبه من الدنيا ربما يلتفت إليه ، فيعرض عن الله ، فيقول : " لبيك " استجابة لله ، ثم يوطن نفسه فيقول : " إن العيش عيش الآخرة "، فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل . ولمّا سألتها أين قال الشيخ هذا الكلام ؟ ما ردت علي ، وبحثت في النت فوجدت هذه الرسالة منتشرة في منتديات كثيرة جدا ، وبعضها كتب أنها من " الشرح الممتع " ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الله عز وجل بقوله " إن العيش عيش الآخرة "، أو " إن الخير خير الآخرة " في معرض رؤية ما يعجب من الدنيا ، وفي معرض مواجهة الشدة والمشقة .

وذلك في الأحاديث الآتية :

الحديث الأول : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :

( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الخَنْدَقِ ، فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالجُوعِ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ ، فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ : نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا )

رواه البخاري (4099) ومسلم (1805) .

الحديث الثاني :

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ : ( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، قَالَ : إِنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ )

رواه ابن الجارود في " المنتقى " (ص/126)، وابن خزيمة في " صحيحه " (4/260)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (5/317)، والحاكم في " المستدرك " (1/636)، والبيهقي في " السنن الكبرى " (5/71) جميعهم من طريق حدثنا محبوب بن الحسن ، حدثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

قال الحاكم :

" احتج البخاري بعكرمة ، واحتج مسلم بداود ، وهذا الحديث صحيح ، لم يخرجاه " انتهى.

وقال الشيخ الألباني رحمه الله :

" هذا إسناد حسن ، رجاله رجال " الصحيح " ، وفي محبوب - وهذا لقبه واسمه محمد بن الحسن بن هلال – خلاف ، والراجح أنه حسن الحديث، وقد روى له البخاري حديثا واحدا " انتهى من " السلسلة الصحيحة " (5/181)

الحديث الثالث :

عن مجاهد رحمه الله قال :

( كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .

قال : حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه ، فزاد فيها : لبيك إن العيش عيش الآخرة . قال ابن جريج : وحسبت أن ذلك يوم عرفة )

رواه الإمام الشافعي في " الأم " (2/170) قال : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج قال : أخبرني حميد الأعرج عن مجاهد به .

ومن طريق الشافعي رواه الإمام البيهقي في " معرفة السنن والآثار " (7/136) ، وفي " السنن الكبرى " (7/77)

وهذا حديث مرسل ؛ إسناده حسن ، فيه سعيد بن سالم القداح ، قال عنه ابن معين والنسائي : ليس به بأس ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وقال ابن عدي : حسن الحديث وأحاديثه مستقيمة . ينظر : " تهذيب التهذيب " (4/35)

الحديث الرابع :

عن عبد الله بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل فاهتز ، فقال : ( لبيك إن العيش عيش الآخرة )

رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (3/442)، والإمام أحمد في " الزهد " (ص/26) قالا : أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن الحارث .

وأبو سنان هو ضرار بن مرة ، أجمعوا على أنه ثقة ثبت كما أخبر بذلك النقاد ، ينظر " تهذيب التهذيب " (4/457)

وعبد الله بن الحارث الذي يروي عنه أبو سنان ، هو الزبيدي الكوفي المكتب ، التابعي وليس الصحابي ، قال فيه ابن معين والنسائي : ثقة ، ولكن حديثه مرسل كحديث مجاهد . انظر " تهذيب الكمال " (14/402).

الحديث الخامس:

من مراسيل عكرمة كالمرسلين السابقين ، عزاه ابن الملقن في " البدر المنير " (6/162) إلى " سنن سعيد بن منصور "، ولم أجده في المطبوع منه .

ثانيا :

وقد أخذ بهذه الأحاديث والمراسيل أهل العلم ، فقالوا يستحب للمرء إذا رأى ما يعجبه أن يقول : " اللهم إن العيش عيش الآخرة "، ليذكر نفسه بغربته في هذه الدنيا ، وأن الآخرة هي الحياة الحقيقية التي سباه الشيطان عنها لما استزل أبانا آدم عليه السلام .

قال الإمام النووي رحمه الله :

" إذا رأى شيئا يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة " انتهى من " شرح مسلم " (8/91)

وقد بوب عليه الإمام البيهقي رحمه الله بقوله :

" باب كان إذا رأى شيئا يعجبه قال : لبيك إن العيش عيش الآخرة " انتهى من " السنن الكبرى " (7/77)

وقال أبو عبد الله المواق المالكي رحمه الله :

" إذا رأى – يعني النبي صلى الله عليه وسلم - شيئا يعجبه يقول : لبيك إن العيش عيش الآخرة ، فكان يقولها في حال الشدة والرخاء ، وهكذا يقول كل من عرف الآخرة وحقر الدنيا وذمها " انتهى من " التاج والإكليل " (5/18) .

وأما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقد ذكر ذلك في أكثر من موضع ، قال :

" الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا يقول : ( لبيكَ ، إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة ) لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبُه مِن الدُّنيا رُبَّما يلتفت إليه فيُعرض عن الله ، فيقول : ( لبيك ) استجابةً لله عزَّ وجلَّ ، ثم يوطِّنُ نفسه فيقول : ( إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة ) فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل ، والعيش حقيقة هو عيش الآخرة ، ولهذا كان من السُّنَّة إذا رأى الإنسانُ ما يعجبُه في الدُّنيا أن يقول : ( لبيك ، إن العيشَ عيشُ الآخرة ) " انتهى من " الشرح الممتع " (3/124)

وقال رحمه الله أيضا :

" كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول : ( لبيك ! إن العيش عيش الآخرة ) لتوجيه النفس إلى إجابة الله ؛ لا إلى إجابة رغبتها ، ثم يقنع النفس أيضاً : أني ما صددتك وأجبت الرب عزّ وجلّ إلا لخير ؛ لأن العيش عيش الآخرة ؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا ؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة ؛ قال الله تعالى : ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) الزمر/15 " انتهى من " تفسير الفاتحة والبقرة " (3/23) . وينظر أيضا : " فتاوى نور على الدرب " (24/4، ترقيم الشاملة آليا) .

وقد قال الشاعر الزاهد :

لا تركننّ إلى القصور الفاخرة *** واذكر عظامك حين تمسي ناخِرة

وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل *** يا رب إنّ العيشَ عيشُ الآخرة

والله أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأذكار الشرعية ‹