الآداب والأخلاق والرقائق · بر الوالدين

هل يطيع والديه إذا أمراه بترك السنن ؟

سؤال وجواب رقم ٣٠٬٠٧٥

السؤال

ما حكم طاعة الوالدين لو منعا ابنهما من عمل بعض السنن ؟ فوالدتي مثلاً تغضب إذا رأتني أذهب لصلاة الجماعة باستمرار، أو إذا حافظت على النوافل أو قرأت القرآن في أوقات فراغي .. الخ ، فهل أطيعها إذا منعتني من ذلك ؟ .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

أوجب الشرع على الولد بر والديه وحرَّم عليه عقوقهما ، وهذا مما لم يقع فيه خلاف بين أحد من أهل العلم للنصوص الشرعية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة على ذلك .

ونحن نشكر للأخ السائل حرصه على الخير حيث يريد بر والديه ، مع محافظته على أبواب الخير والسنن ؛ فنسأل الله أن يوفقه لما يحب ويرضى وأن يرزقه العلم النافع والعمل الصالح .

ثانياً:

نحب أن ننبِّه الأخ السائل – وغيره ممن يقرأ هذا الجواب – على ضرورة التفريق بين الطاعات الواجبة والطاعات المستحبة ؛ حيث إن ترك الواجبات يوقع فاعله في المعصية ويوجب استحقاق الإثم ، وليس لهذا الأمر تعلق بطاعة الوالدين ولا غيرهما ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل .

وصلاة الجماعة في المسجد من الواجبات لا المستحبات ، وعليه : فلا تجب طاعة الوالدين اللذين يمنعان ابنَهما البالغ العاقل القادر على الذهاب للمسجد من غير خوف ولا ضرر ، من الذهاب إلى بيت الله تعالى ليقيم فرائض الله تعالى فيها ، وقد روى الإمام البخاري في صحيحه - ( 1 / 230 ) – معلَّقاً عن الحسن البصري رحمه الله قوله " إن منعتْه أمُّه عن العشاء في الجماعة شفقة : لم يطعها " ، وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن الرجل ينهاه أبوه عن الصلاة في جماعة ، قال : " ليس له طاعته في الفرض " .

انظر " غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب " للسفاريني ( 1 / 385 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

نصوص أحمد تدل على أنه لا طاعة لهما في ترك الفرض ، وهي صريحة في عدم ترك الجماعة وعدم تأخير الحج .

" المستدرك على مجموع الفتاوى " ( 3 / 217 ) .

ثالثاً:

أما المستحبات والنوافل فلا شك أن فعلها مما يزيد في إيمان المسلم ، وهو يحتاج لفعلها ليتقرب من ربِّه عز وجل فيثيبه عليها ، وفعل المستحبات التي من جنس الفرائض مما يجبر نقصها ، فأداء نوافل الصلوات والمستحبات منها يجبر نقص الصلوات الخمس ، والصدقة النافلة تجبر النقص في الزكاة ، وهكذا الأمر في بقية الفرائض ، ولذا فلا يستغني المسلم عن فعل المستحبات والنوافل لتلك الأمور كلها .

فهل يجب على الولد طاعة والديه إذا أمراه بترك المستحبات والنوافل ؟

للجواب على ذلك نقول : إن ضابط بر الوالدين في الطاعة يمكن إجماله في أمور :

1. أن يكون أمرهما في مباح لا في ترك واجب ولا فعل محرَّم .

2. أن يكون لهما فيما يأمران به نفع لهما أو مسوِّغ شرعي .

3. أن لا يكون فيما يأمران به ضرر على ولدهما ، وأما إن كان فيه مشقة عليه فتجب الطاعة .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

ويلزم الإنسان طاعة والديه في غير المعصية وإن كانا فاسقين ، وهو ظاهر إطلاق أحمد ، وهذا فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر ، فإن شق عليه ولم يضره : وجب ، وإلا فلا .

" الفتاوى الكبرى " ( 5 / 381 ) .

وعليه فيقال : بماذا ستنتفع الأم من أمرها ولدها بعدم صلاة السنن والامتناع عن قراءة القرآن ؟! نعم ؛ لو كانت محتاجة له لخدمتها أو رعايتها ، أو طلبت منه عونا ما ، أو نادت عليه ، وتعارض ذلك مع قيامه بنافلة أو أمر مستحب : فحينها يقال له فلتقدِّم الواجب – وهو بر أمك – على المستحب والنافلة ، أما عندما لا توجد حاجة أو منفعة للأم أو للأب في ترك ولدهما لشيء من النوافل والمستحبات ولا يوجد مسوغ شرعي لهذا الأمر : فحينها يقال له : لا تطعهما ودارِهما وقل لهما قولا معروفاً ، وحاول أن لا تظهر أنك تفعل شيئاً من النوافل والمستحبات أمامهما ، مع ضرورة دوام النصح والتذكير لهما بأهمية فعل الطاعات والتقرب إلى الله تعالى بها وحاجة المسلم لتكثير حسناته ليلقى بها ربه تعالى .

والخلاصة في طاعة الوالدين في المستحبات والنوافل :

1. إذا كان أمر الوالدين لولدهما أن لا يصلي النوافل ولا يفعل الطاعات المستحبة بالكلية : فلا يطاعان ؛ لأن في هذا إماتة لتلك الشعائر مع عدم انتفاعهما بذلك الترك .

سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل أمره أبواه أن لا يصلي إلا المكتوبة فقال " يداريهما ويصلي" .

انظر " غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب " ( 1 / 384 ) .

قال ابن مفلح الحنبلي – رحمه الله - :

وذكر أبو البركات – وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية - أن الوالد لا يجوز له منع ولده من السنن الراتبة ، وكذا الزوج والسيد ، ومقتضى كلام صاحب " المحرر " – وهو نفسه أبو البركات - هذا : أن كل ما تأكد شرعاً ، لا يجوز له منع ولده ؛ فلا يطيعه فيه .

" الآداب الشرعية " ( 2 / 42 ) باختصار .

2. إذا كان أمر الوالدين ولدهما بترك طاعة مستحبة لنفع لهما ، أو لخوف عليه حقيقي غير موهوم : فتجب طاعتهما ، كمن تأمر ابنها بعدم السفر لطلب العلم لصغر سنه وعدم قدرته على تدبير أمره ، أو كمن يأمره أبوه أن لا يصوم التطوع لضعف في بدنه أو لرغبته أن يشاركهم في دعوة على طعام لقريب أو صديق أو جار ، أو كمن يحتاج له والداه ليوصلهما لحاجة لهما أو ليبقى بجانبهما للعناية بهما .

3. إذا كان منع الوالدين ولدهما من فعل المستحبات والنوافل لهوى في نفوسهما ، أو لقلة دين منهما ، أو لضعف في العقل والتمييز : فلا طاعة لهما ، ومع ذلك فليحسن لهما القول ويصاحبهما بالمعروف .

قال ابن حجر الهيتمي – رحمه الله - :

وحيث نشأ أمر الوالد أو نهيه عن مجرد الحمق : لم يلتفت إليه ؛ أخذاً مما ذكره الأئمة في أمره لولده بطلاق زوجته ، وكذا يقال في إرادة الولد لنحو الزهد ومنع الوالد له : أن ذلك إن كان لمجرد شفقة الأبوة فهو حمق وغباوة ، فلا يلتفت له الولد في ذلك .

" الفتاوى الفقهية الكبرى " ( 2 / 104 ) .

وقال – رحمه الله – أيضاً - :

إذا ثبت رشد الولد الذي هو صلاح الدين والمال معاً : لم يكن للأب منعه من السعي فيما ينفعه ديناً أو دنيا ، ولا عبرة بريبة يتخيلها الأب ، مع العلم بصلاح دين ولده وكمال عقله .

" الفتاوى الفقهية الكبرى " ( 2 / 104 ) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

ما الحكم إذا لم يسمح الوالد لولده بالاعتكاف وبأسباب غير مقنعة ؟ .

فأجاب :

الاعتكاف سنَّة ، وبر الوالدين واجب ، والسنة لا يسقط بها الواجب ولا تعارض الواجب أصلاً ؛ لأن الواجب مقدم عليها ، وقد قال تعالى في الحديث القدسي ( ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه ) – رواه البخاري - فإذا كان أبوك يأمرك بترك الاعتكاف ويذكر أشياء تقتضي أن لا تعتكف لأنه محتاج إليك فيها : فإن ميزان ذلك عنده وليس عندك ؛ لأنه قد يكون الميزان عندك غير مستقيم وغير عدل ، لأنك تهوى الاعتكاف فتظن أن هذه المبررات ليست مبرراً ، وأبوك يرى أنها مبرر : فالذي أنصحك به أن لا تعتكف .

لكن لو لم يذكر مبررات لذلك : فإنه لا يلزمك طاعته في هذه الحال ؛ لأنه لا يلزمك أن تطيعه في أمر ليس فيه منفعة له ، وفيه تفويت منفعة لك .

" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 20 / 159 ) .

وسئل الشيخ - رحمه الله – أيضاً :

عن طالب علم يريد أن يذهب مع إخوانه في الله لطلب العلم ، وكان الحائل بينه وبين الذهاب معهم هو أهله ، والده وأمه ، فما الحكم في خروج هذا الطالب ؟ .

فأجاب :

هذا الطالب إن كان هناك ضرورة لبقائه عندهم : فهذا أفضل ، مع أنه يمكنه أن يبقى عندهم مع طلب العلم ؛ لأن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله ، والعلم من الجهاد ، وبالتالي فيكون بر الوالدين مقدماً عليه إذا كانا في حاجة إليه ، أما إذا لم يكونا في حاجة إليه ويتمكن من طلب العلم أكثر إذا خرج : فلا حرج عليه أن يخرج في طلب العلم في هذه الحال ، ولكنه مع هذا لا ينسى حق الوالدين في الرجوع إليهما وإقناعهما إذا رجع .

وأما إذا علم كراهة الوالدين للعلم الشرعي : فهؤلاء لا طاعة لهما ، ولا ينبغي له أن يستأذن منهما إذا خرج ؛ لأن الحامل لهما كراهة العلم الشرعي .

" مجموع فتاوى الشيخ العثيمين " ( 26 / 58 ، 59 ) .

والله أعلم

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب بر الوالدين ‹