الآداب والأخلاق والرقائق · الآداب
هل تقديم النفع للكافر يدخل في النفع المحبوب لله؟
السؤال
هل يمكنك التفضل بتقديم شرح وافٍ وتفسير عميق لمعنى هذا الحديث، وبيان دلالته الشاملة والعامة: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ)؟ وهل يتناول هذا الحديث الجانب الشمولي لتقديم النفع للمسلمين فحسب، أم أنه يشمل المسلمين وغير المسلمين على حد سواء؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما : ( أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ , وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ , أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً , أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا , أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا , وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ - شَهْرًا )
رواه الطبراني ( 12 / 453 ) وصححه الألباني في " صحيح الترغيب " ( 955 ) .
وقد اختُلف في صحة الحديث. وانظر: إجابة رقم (333570).
والمعنى: أحب الناس من المسلمين إلى الله تعالى أنفعهم للناس؛ لم يحدد فيما ينفعون؛ فيعم النفع الديني والدنيوي، فتارة يهدون الناس إلى الإسلام وإلى الثبات على دينه، ويبلغون دين الله، ويعلمون الناس الدين، وتارة يعينون الفقراء والمحتاجين، وتارة يشفعون لمن هو أهلًا للشفاعة، وتارة يعالجون المرضى، وتارة يرعون الأيتام، وتارة يحفرون الآبار ويبنون المساجد والمدارس، وتارة يجاهدون في سبيل الله ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...الخ وهكذا.
قال المناوي رحمه الله في فيض القدير (3/ 481):
"(خير الناس أنفعهم للناس) بالإحسان إليهم، بماله وجاهه؛ فإنهم عيال الله، وأحبهم إليه: أنفعهم لعياله؛ أي أشرفهم عنده: أكثرُهم نفعا للناس، بنعمة يُسديها، أو نقمة يزويها عنهم، دينا أو دنيا. ومنافع الدين أشرف قدرًا، وأبقى نفعا" انتهى. وانظر: فيض القدير (1/ 174).
وبمعناه ورد في البخاري (3)، ومسلم (160) في هدي النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ".
وتحمل الكلَّ – أي : الضعيف العاجز - وتكسب المعدوم – أي : الفقير - ، وتقري – أي : تكرم – الضيف. انظر: إجابة رقم (14070).
ثانيًا:
ظاهر الحديث شامل لنفع الناس عمومًا؛ المسلم منهم والكافر؛ لعموم قوله: أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ وأل: هنا للاستغراق.
ويشهد لذك المعنى: قول الله جل جلاله: (لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ) الممتحنة/8 ، 9 .
قال ابن كثير رحمه الله :
"أي : لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين ، كالنساء والضعفة منهم ، (أَنْ تَبَرُّوهُمْ) أي : تحسنوا إليهم (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) أي : تعدلوا (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)" انتهى، "تفسير ابن كثير" (4/446) .
ويتأكد الأمر بالإحسان إلى الكافر إذا كان في الإحسان إليه رجاء إسلامه، أو مصلحة للمسلمين.
ومن ذلك: لما رُبط ثمامة في سارية من سواري المسجد، (وقال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ، مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللهِ، مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَاللهِ، مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ) رواه البخاري (4372)، ومسلم (1764).
وروى مسلم في صحيحه (2312) عن أنس رضي الله عنه، قَالَ: " مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ".
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (129664) ورقم (239930)
ثالثًا:
الحديث في المحبة خاص بالمسلمين، فالمنصوص في القرآن هو بغض الله للكفار وعدم محبتهم لكفرهم بالله تعالى، فقد نص الله تعالى على عداوتهم وعدم حبهم فقال تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران/ 32. وقال: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) الروم/ 45 وقال تعالى: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) البقرة/ 276، وقال سبحانه: (فإنّ اللهَ عدوٌّ للكَافِرِين) البقرة: 98.
وينظر: جواب السؤال رقم (257654)، ورقم (403547)، ورقم (256706)
والله أعلم.
الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·الآداب
سؤال رقم ٣١٬٤٧٦دليل الألوان
أسئلة ذات صلة في الآداب
- بيان محاسن الإسلام من خلال نهيه عن الإسراف في الوضوء#31747
- ما حكم مشاركة الطالب في تقييم المدرسين الجدد؟#31665
- متى يكون ترك المباح قربة، ومتى يكون حراما؟#31330
- مسائل وأحكام في الجلوس بين الشمس والظل#31045
- ما هي طرق الاستئذان وآدابه، وما الحكم إذا تعارفوا دخول بعضهم على بعض دون إذن؟#31012
- هل يجوز قول كلمة (أبيت اللعن)؟#31005
