الآداب والأخلاق والرقائق · الأذكار الشرعية

من قام من فراشه ثم رجع إليه هل يعيد أذكار النوم ؟

سؤال وجواب رقم ٧٬١٠٥

السؤال

هل عندما أقرأ أذكار النوم يجب عليَّ إعادتها إن قمت من فراشي ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

شُرعت لنا أذكارٌ وأدعيةٌ نقولها قبل النوم ، وهي متنوعة ، كالتسبيح ، والتحميد ، والتكبير ، وقراءة آية الكرسي ، وأدعية وأذكار أخرى .

ولا يخلو الذي يقول هذه الأذكار والأدعية ثم يترك فراشه ويرجع إليه من أحوال ثلاثة :

الأولى : أن يغيب لفترة قصيرة ، كشرب الماء ، أو قضاء حاجة ، ونحو ذلك .

الثانية : أن يغيب لفترة أطول من الأولى ، فيأكل طعاماً ، أو يستمع لشريط ، أو يشاهد برنامجاً ، أو يجلس مع ضيف .

الثالثة : أن يترك فراشه بقصد ترك النوم ، وتأجيله لوقت آخر ، وهذا له حالان :

1. أن يلغي قراره ، ويرجع لفراشه ، بعد فترة قصيرة .

2. أن يستمر على قراره ، وينشغل بأموره ، وقد تطول الفترة حتى يرجع لفراشه .

أما الأحكام : فكما يلي :

أ. حكم الحال الأولى : أن غيابه لفعل ما ذكرناه من حاجات لا يلغي أذكاره السابقة ، وبعض أهل العلم من المعاصرين يرى أن أذكاره تنقطع ، وأن عليه إعادتها مرة أخرى إذا أراد فضلها ، واستدل من قال بذلك بحديث الترمذي ( إِذَا قَامَ أَحَدُكُم عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْه ... ) ، والذي نراه أن هذا اللفظ لا يستفاد منه الحكم السابق لأسباب :

الأول : أن فيه قوله ( ثمَّ ) وهو يدل على فترة طويلة ، وليس مجرد ترك الفراش لقضاء حاجة ، أو شرب ماء ، ويدل عليه الأمر بنفض الفراش ، وهو ما لا يكون لغياب فترة قصيرة ، كما هو ظاهر .

الثاني : أنه لو صلح اللفظ للفترة القصيرة : فإنه لا يقدَّم على الروايات الأخرى ، والتي هي أضبط من حيث الرواية ، فرواية عامة المحدثين – ومنهم البخاري ومسلم - : ( إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ ) رواه البخاري ( 5961 ) ومسلم ( 2714 ) وغيرهما ، من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ الله عنْه .

وقد رواه الإمام أحمد بما يوافق رواية الترمذي مرة ، وبما يوافق رواية الصحيحين أخرى ، وهو يدل على عدم ضبط من بعض الرواة ، فتقدَّم رواية الصحيحين على غيرها .

الثالث : وإذا قلنا بأن لفظ الترمذي مقبول ، وقلنا بأن لفظ " ثم " لا يدل على فترة طويلة : فإننا نقول إن الحديث ليس فيه أنه يقول أدعية النوم مرة أخرى ، بل فيه أنه ينفضه ، ويذكر دعاءً بعينه ، وهذا لا مانع منه ، فأدعية وأذكاره النوم كثيرة ، ولا حرج أن يقول بعضها إذا قام من فراشه ثم رجع إليه ، وهذا لعله أسلم الأوجه في فهم رواية الترمذي ، وأحمد .

وهذا الذي رجحناه من اكتفائه بالذكر الأول ، هو ما يفتي به الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ، فقد سئل :

بالنسبة لأذكار النوم المخصصة : هل أذكار النوم المخصصة في نوم الليل فقط ؟ وهل إذا قام الإنسان من الليل لقضاء حاجة أو شرب ماء ، هل يكرر ما يقوله من الأذكار؟ .

فأجاب : " الظاهر يكفيه إذا قاله عند أول ما ينام ، يكفي ، وإن كرر : فلا بأس ، لكن السنَّة حصلت بالأذكار التي قالها ، والدعاء الذي قاله عند النوم ، أول ما نام .

وما كان مختصا بالليل وبيَّنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا أراد المبيت : فهذا يختص بنوم الليل ، وما لم يرد فيه التخصيص : فهذا عام في كل وقت من الأذكار ، أما ما جاء فيه التخصيص أنه إذا أراد أن ينام ليلاً : فهذا يكون سنته في الليل إذا أراد أن ينام ليلاً " انتهى .

"فتاوى نور على الدرب" ( شريط رقم 396 ، سؤال رقم 17 ) .

ب. وأما حكم الحال الثانية : وهو إذا ما طال الفصل بين قيامه من فراشه ورجوعه إليه : فالظاهر هنا أنه يعيد الأذكار والأدعية ، وليس للطول حدٌّ معيَّن ، لكن ما ذكرناه من أمثلة توضح المقصود .

وقد سئل الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله - :

أحياناً آتي بأذكار النوم ، ثم أقوم من فراشي قبل النوم لأمر عارض ، وقد تطول المدة ، هل أعيد الأذكار ؟ .

فأجاب : " إذا كان شيئاً عارضاً ، أو مدة قصيرة : فلا يؤثر ، لكن إذا طالت ، وصارت مسافة طويلة : فكونه يعيد الأذكار وأنه ينام عليها : لا شك أن هذا هو الأولى " انتهى .

"شرح سنن الترمذي" ( شريط / رقم 376 ) .

ج. وأما حكم الحالة الثالثة :

فإذا نوى المسلم الانفصال عن فراشه بقصد ترك النوم : فإنه يحتاج لإعادة الأذكار والأدعية إذا عاد لفراشه ، طالت المدة ، أو قصرت .

ويشبه هذه الأحكام : أحكام الخروج من المسجد ، وإعادة صلاة تحية المسجد ، وما ذكرناه في صور النوم وأحكامه ينطبق على هذه المسألة ، سواء بسواء .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - : " الذي يخرج من المسجد ، ويعود عن قرب : فلا يصلِّي تحية المسجد ؛ لأنه لم يخرج خروجاً منقطعاً ، ولهذا لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خرج لبيته لحاجة وهو معتكف ، ثم عاد أنه كان يصلي ركعتين .

وأيضاً : فإن هذا الخروج لا يعد خروجاً ، بدليل أنه لا يقطع اعتكاف المعتكف ، ولو كان خروجه يعتبر مفارقة للمسجد : لقُطع الاعتكاف به ، ولهذا لو خرج شخص من المسجد على نية أنه لن يرجع إلا في وقت الفرض التالي ، وبعد أن خطا خطوة رجع إلى المسجد ليتحدث مع شخص آخر ، ولو بعد نصف دقيقة : فهذا يصلي ركعتين ؛ لأنه خرج بنية الخروج المنقطع " انتهى .

"مجموع فتاوى الشيخ العثيمين" (14/353) .

والله أعلم

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأذكار الشرعية ‹