التاريخ والسيرة · مصطلح الحديث

هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السكن في " تهودة " ولعنها ؟

سؤال وجواب رقم ١٠٬٢٣٢

السؤال

نحن من سكان مدينة سيدي عقبة بالجزائر بقربنا قرية تسمى ( تهودة ) ، وهو المكان الذي استشهد فيه عقبة بن نافع ، وقد وجدت هذا الأثر : وروى أبو المهاجر عن رجاله عن شهر بن حوشب أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن سكنى هذه البقعة الملعونة الّتي يقال لها تهوذا ، ( ويقال إنّه قال ) : سوف يقتل بها رجال من أمّتي على الجهاد في سبيل الله ثوابهم ثواب أهل بدر وأهل أحد ، والله ما بدّلوا حتّى ماتوا .

وكان شهر بن حوشب يقول : وا شوقاه إليهم . وكان يقول : سألت بعض التابعين عن هذه العصابة ، فقال : ذلك عقبة بن نافع قتله البربر والنصارى بمدينة يقال لها تهوذا ، فمنها يحشرون يوم القيامة وسيوفهم على عواتقهم حتّى يقفوا بين يدي الله تعالى .

حيث يذكر أن هذا المكان ( تهودة ) مكانا ملعونا .

السؤال هو :

1. هل هذه الأحاديث صحيحة وما درجتها ؟

2. ما حكم السكن والاستقرار بهذه الأماكن الملعونة ؟

3 هل وردت في السنة أحاديث تبين أنه لا يجوز السكن بالأماكن الملعونة وما هي ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

هذا الحديث المذكور في السؤال حديث موضوع لا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وبيان ذلك :

قال أبو العرب محمد بن أحمد التميمي رحمه الله في كتاب " طبقات علماء إفريقية " (ص/9-10) :

قَرَأْتُ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَلْشُونِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُقَاتِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، أَنَّ هَذِهِ الْبُقْعَةَ الْمَلْعُونَةَ، الَّتِي يُقَالُ لَهُا: تَهُودَهْ، كَانَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنْ سُكْنَاهَا، وَقَالَ: ( سَوْفَ يُقْتَلُ بِهَا رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثَوَابُهُمْ ثَوَابُ أَهْلِ بَدْرٍ، وَأَهْلِ أُحُدٍ، وَاللَّهِ مَا بَدَّلُوا حَتَّى مَاتُوا، وَاشَوْقَاهُ إِلَيْهِمْ ) .

وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ : سَأَلْتُ التَّابِعِينَ عَنْ هَذِهِ الْعِصَابَةِ ، فَقَالُوا : ذَلِكَ عُقْبَةُ وَأَصْحَابُهُ ، قَتَلَهُمُ الْبَرْبَرُ ، وَالنَّصَارَى بِتَهُودَهْ ، فَمِنْهَا يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَسْيَافُهُمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ ، حَتَّى يَقِفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى .

وهذا خبر موضوع ، وفيه علل :

- إسحاق وأبوه ضعيفان في الحديث . قَالَ أَبُو الْعَرَبِ في ترجمتهما : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَحَدِيثُهُ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِهِ ، مَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ حَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ رِوَايَتِهِ .

قَالَ أَبُو الْعَرَبِ : وَحَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ تَمِيمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: كَانَ أُمَرَاءُ بَنِي الأَغْلَبِ يُرْسِلُونَ إِلَى إِسْحَاقَ ، فَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنْ رَمَضَانَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِتِلْكَ الْعَجَائِبِ ، حَتَّى يَقْطَعَ بِهِمْ طُولَ النَّهَارِ.

" طبقات علماء إفريقية " (ص/98)

- مقاتل ، هو ابن سليمان ، كذبه وكيع والنسائي ، وقال الجوزجاني : كان دجالا جسورا ، وقال ابن حبان : كان يشبه الرب بالمخلوقات ، وكان يكذب في الحديث .

" ميزان الاعتدال " (4/ 174-175) .

- وهب بن منبه ، وشهر بن حوشب - على ضعف فيه - تابعيان ، فالحديث - على شدة ضعف إسناده - مرسل .

فالحديث موضوع لا يصح الاستدلال به ولا نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا حرج في سكنى هذه البقعة ، ولا يجوز النهي عن سكناها ، كما لا يجوز لعنها .

ثانيا :

لا نعلم في السنة الصحيحة شيئا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن أرضا أو بلدا بعينها ، ونهى عن سكناها ، وغاية ما صح في ذلك ما رواه البخاري (4419) ، ومسلم (2980) عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالحِجْرِ قَالَ : ( لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ) ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ .

وروى الذهبي في " السير " (6/ 657) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ : مَرَّ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَسَلَّمَ بِوَادِي ثَمُوْدَ فَقَالَ : ( أَسْرِعُوا السَّيْرَ فَإِنَّ هَذَا واد ملعون ) ، قال الذهبي : " هذا مرسل جيد " .

وله شاهد يرويه البزار (3971) من طريق عَلِيّ بْن زَيْدٍ ، عن عَبْد اللَّهِ بْن قُدَامَةَ بْنِ صَخْرٍ عن أبي ذر مرفوعا بنحوه .

وعبد الله بن قدامة : قال في " التهذيب " (5/360) : " لم أجد لعبد الله بن قدامة هذا ذكرا إلا في هذا الحديث " .

وعلي بن زيد ، هو ابن جدعان ، وهو ضعيف ، له مناكير ، انظر " التهذيب " (7/323)

والأول أصح .

وأما ما رواه أبو داود (490) عن أبي صالح الغفاري أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر ، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال : ( إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) فضعيف ، ضعفه الحافظ في " الفتح " (1/530) ، وكذا ضعفه الألباني في " ضعيف أبي داود "

فأماكن القوم المعذبين لا يسكن فيها ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الدخول عليهم ، ولما مر بهم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز واديهم .

فأي بقعة من الأرض نعلم - يقينا - أنها مقبرة القوم المكذبين : فهذه لا تسكن ، ولا يدخل على أهلها إلا أن نكون باكين ، خشية أن يصيبنا ما أصابهم من العذاب .

وانظر لمزيد الفائدة إلى جواب السؤال رقم : (112160) .

والله أعلم .

الباب: التاريخ والسيرة·مصطلح الحديث

سؤال رقم ١٠٬٢٣٢

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب مصطلح الحديث ‹