التاريخ والسيرة · السيرة النبوية
صفة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه
السؤال
كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل أصحابه ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
كانت معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه على وفق ما أمره به الله تعالى؛ كما في قوله سبحانه وتعالى:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ آل عمران (159).
فهذه الآية حثت النبي صلى الله عليه وسلم بأمور ثلاثة في معاملته لأصحابه:
الأمر الأول:
الرحمة واللطف بهم والتجاوز عنهم.
وهذا كان سبيل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.
قال الله تعالى:
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ التوبة (128).
ومن صور رحمته أنه كان رفيقا بهم صابر على تعليمهم أو جفاء بعض من اعتاد على شيء من ذلك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: " كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ" رواه البخاري (6088) ، ومسلم (1057).
وعن أبي هُرَيْرَةَ : " أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ " رواه البخاري (6128).
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: " بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ! فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي! مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ! مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ... " رواه مسلم (537).
ومن صور رحمته بهم أنه كان كثير التبسم في وجوههم.
عَنْ جَرِيرٍ بن عبد الله، قَالَ: "مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلاَ رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي" رواه البخاري (6089) ، ومسلم (2475).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، قَالَ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رواه الترمذي (3641)، وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي".
وكان لا يظهر غضبه وشدته إلا فيما تقتضيه مرضاة الله تعالى ويحفظ لأصحابه دينهم.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: " مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ، حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ" رواه البخاري (6786).
الأمر الثاني:
أنه كان يستغفر لأصحابه، ولمن أغضبه أو اثار حفيظته.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: اللهُمَّ! إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُرْبَةً، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رواه البخاري (6361) ، ومسلم (2601) واللفظ له.
الأمر الثالث:
أنه كان لا ينفرد بالأمر الذي يرجع فيه إلى الخبرة والتجربة والرأي، فكان يستشير أصحابه ويشركهم في الأمر، امتثالا لقوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ آل عمران/159
قال ابن كثير:
" ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبا لقلوبهم؛ ليكونوا فيما يفعلونه أنشط لهم كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب، فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون.
وشاورهم -أيضا-أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو ،الْمُعْنِقُ لِيَمُوتَ [كان يلقب بذلك] ، بالتقدم إلى أمام القوم، وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم.
وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه ذلك السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك.
وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال.
وقال عليه السلام في قصة الإفك: ( أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن -والله-ما علمت عليه إلا خيرا ). واستشار عليا وأسامة في فراق عائشة، رضي الله عنها.
فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها " انتهى. "تفسير ابن كثير" (2 / 149).
وينظر للفائدة كتاب "كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم " على هذا الرابط :
https://almunajjid.com/9468
والله أعلم.
الباب: التاريخ والسيرة·السيرة النبوية
سؤال رقم ٣٠٬٨٤٠دليل الألوان
أسئلة ذات صلة في السيرة النبوية
- لماذا كان النبي ﷺ يرعى الغنم قبل البعثة؟ وما الحكمة من ذلك؟#31693
- من هم إخْوَة النبي صلى الله عليه وسلم؟#31477
- ما دار من الحوار بين هرقل وأبي سفيان كان قبل فتح مكة .#31428
- من القائل يوم حنين : (لن نهزم اليوم من قلة)؟#31326
- لماذا نحسب عمر الإسلام من ابتداء الهجرة وليس من ابتداء الوحي والدعوة ؟#31170
- بعض الكتب المعاصرة التي تهتم بالمعالم والمواقع المتعلقة بالسيرة النبوية#30765
