التاريخ والسيرة · الشرك وأنواعه

هل المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ملحدين أم مشركين ؟

سؤال وجواب رقم ٨٬٩٠٠

السؤال

بالنسبة للمنافقين الذين كانوا زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين ذكروا في القرآن الكريم ، ، والذين حكم الله تعالى بكفرهم ؛ لانهم آمنوا ثم كفروا .

أردت أن أعرف : ماهي عقيدتهم بعد كفرهم ؟ هل كانت الشرك بالله أم الإلحاد؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

المنافق : هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام ، والمنافقون شر أصناف أهل الشر وأسوؤهم طوية وأعظمهم خطراً ، قال تعالى بشأنهم : ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المنافقون/ 4 .

جاء في " الموسوعة الفقهية " (41/17) :

" النِّفَاقُ لُغَةً : مَصْدَرُ نَافَقَ ، يُقَالُ : نَافَقَ الْيَرْبُوعُ إِذَا دَخَلَ فِي نَافِقَائِهِ ، وَمِنْهُ قِيلُ : نَافَقَ الرَّجُلُ : إِذَا أَظْهَرَ الإِسْلامَ لأَهْلِهِ وَأَضْمَرَ غَيْرَ الإِسْلامِ وَأَتَاهُ مَعَ أَهْلِهِ .

وَلا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاصْطِلاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ .

قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ : وَالنِّفَاقُ اسْمٌ مِنَ الأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّرْعُ ، لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً بِمَعْنَاهَا الاصْطِلاحِيِّ هَذَا قَبْلَ الإِسْلامِ ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتُرُ كُفْرَهُ وَيُظْهِرُ إِسْلامَهُ .

عَلَى أَنَّ النِّفَاقَ يُطْلَقُ تَجَوُّزًا عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ الآتِي ذِكْرُهَا ، كَالْكَذِبِ وَإِخْلافِ الْوَعْدِ ، أَوْ يُقَالُ : هَذَا نِفَاقٌ عَمَلِيٌّ ، وَلَيْسَ اعْتِقَادِيًّا حَقِيقِيًّا " انتهى .

ثانياً :

لم يكن يعرف أهل جزيرة العرب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإلحاد بمعناه اليوم ( اللادين ) ، وإنما كانوا : إما مشركين من عبدة الأوثان أو يهوداً أو نصارى ، ثم بقية من أهل الكتاب ممن بقي على التوحيد ، وهم قلة .

أما إنكار وجود الإله الخالق المدبر ، فلم يكن معروفاً في العرب إلا في قلة لا تكاد تُذكر من الدَّهريين .

قال تعالى : ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ) يونس/ 31 .

وقال تعالى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) العنكبوت/ 61 .

ثم ظهر النفاق في بعض هؤلاء المشركين من عبدة الأوثان واليهود والنصاى .

قال ابن كثير رحمه الله :

" النِّفَاقُ : هُوَ إِظْهَارُ الْخَيْرِ وَإِسْرَارُ الشَّرِّ ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ : اعْتِقَادِيٌّ ، وَهُوَ الَّذِي يَخْلُدُ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ ، وَعَمَلِيٌّ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الذُّنُوبِ ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْمُنَافِقُ يُخَالِفُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ ، وَسِرُّهُ عَلَانِيَتَهُ ، وَمَدْخَلُهُ مَخْرَجَهُ ، وَمَشْهَدُهُ مَغِيبَهُ .

وَإِنَّمَا نَزَلَتْ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نِفَاقٌ ، بَلْ كَانَ خِلَافُهُ ، مِنَ النَّاسِ مَنْ كَانَ يُظْهِرَ الْكُفْرَ مُسْتَكْرَهًا ، وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ .

فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ بِهَا الْأَنْصَارُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَكَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ عَلَى طَرِيقَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ، وَبِهَا الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى طَرِيقَةِ أَسْلَافِهِمْ ، وَكَانُوا ثَلَاثَ قَبَائِلَ : بَنُو قَيْنُقَاعَ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ ، وَبَنُو النَّضِيرِ ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ قَبِيلَتَيِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَقَلَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ نِفَاقٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ شَوْكَةٌ تُخَافُ ، بَلْ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَادَعَ الْيَهُودَ وَقَبَائِلَ كَثِيرَةً مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ .

فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ الْعُظْمَى وَأَظْهَرَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ ، وَأَعْلَى الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيِّ بْنِ سَلُولَ ، وَكَانَ رَأْسًا فِي الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانَ سَيِّدَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ ، فَجَاءَهُمُ الْخَيْرُ وَأَسْلَمُوا ، وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَالَ : هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ ، فَأَظْهَرَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَدَخَلَ مَعَهُ طَوَائِفُ مِمَّنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنِحْلَتِهِ ، وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ .

فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يُهَاجِرُ مُكْرَهًا ، بَلْ يُهَاجِرُ وَيَتْرُكُ مَالَهُ ، وَوَلَدَهُ ، وَأَرْضَهُ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ " .

انتهى من "تفسير القرآن العظيم "(1/177).

والحاصل :

أن الإلحاد ، بمفهومه المعاصر : لم يكن معروفاً في جزيرة العرب ، لا في المشركين صراحة ، ولا في المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، وعامة المنافققين : كانوا من الكفار أهل الأوثان ، أو من اليهود والنصارى ؛ غير أن ذلك لا يؤثر في وصف النفاق ولا حكم أهله ؛ بل المعتبر أن يبطن الكفر بالله ، والرغبة عن دين الإسلام ، ثم يظهر من الإسلام ، خلاف ما في باطنه ، ثم لا فرق في ذلك كله بين كفر وكفر ؛ فالكل سواء .

وينظر جواب السؤال رقم : (10300) ، (148986) .

والله تعالى أعلم .

الباب: التاريخ والسيرة·الشرك وأنواعه

سؤال رقم ٨٬٩٠٠

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الشرك وأنواعه ‹