التربية · تربية النفس

يشكو من عزوف الناس عنه وعدم رغبتهم في مصاحبته

سؤال وجواب رقم ٣١٬٧٥٧

السؤال

أنا شاب عمري22 سنة ، متدين ، وأحفظ القرآن ، وشكلي مقبول وطبعي سهل لين ، ولكن مشكلتي هي عزوف الناس عني ، لا أكاد أجد صديقا ، حتى بين رواد المسجد وحفظة القران ، وكلما حاولت إقامة علاقة مع أحد منهم أجد الصد والإعراض ، ولا يوجد سبب معين ، فليس بيني وبينهم أي خصومة ، ولكني أجد أني قد لا أكون جذابا بما فيه الكفاية ، بالنسبة لهم أجد نفسي في عزلة قاتلة ، لا أكاد أجد صديقا ، في حياتي الجامعية 4 سنوات لم أستطع تكوين صديق واحد ، معظم غمي في الجامعة من انعدام الأصدقاء ، وكلما حاولت في الصداقة جوبهت بكسر الخاطر والإعراض ، أفيدوني جزاكم الله خيرا .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لا داعي للقلق والحيرة والمزيد من الإحباط والحساسية المفرطة ، فالأمر سهل وليس كما تظنه ، والإنسان اجتماعي بطبعه ، والذي يحصل أحيانا عدم التوافق في الطبائع والأخلاق ، فقد يتعارف اثنان ، وبعد التعارف يختلفان فيفترقان لعدم حصول ذاك الانسجام الذي يحدثه التقارب في الأخلاق أو الأفكار ونحو ذلك .

ولعلك إذا أخذت بنصيحتنا في هذا الأمر انتفعت بإذن الله .

ومشكلتك تتلخص في تصورك أنها مشكلة متجذرة عويصة ، فإذا عارضت ذلك بالمحاولة فظهر لك إعراض الناس انطبع في نفسك لأول وهلة أنك قد فشلت ، فيحصل لك من اليأس والإحباط ما يؤكد في نفسك هذا التصور ، ثم تأتي المحاولة التي تليها ، فيحصل ما حصل في الأولى ، فيزداد يقينك بأنك إنسان يرفضه المجتمع ولا يقبله الناس ، وكل ذلك غير صحيح .

وتصور رفض المجتمع التام لرجل حافظ للقرآن وعلى خلق ولين الجانب تصور غير مقبول شرعا وعقلا وعرفا .

فإن طبائع الناس مجبولة على محبة الخير وبسطة الوجه ولين الكلام وحسن الخلق .

قال ابن عمر رضي الله عنهما : " البر شيء هين وجه طليق وكلام لين " .

انتهى من "شعب الإيمان" (8059) .

وقال عروة ابن الزبير رحمه الله :

" مكتوب في الحكمة : لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء " انتهى من "حلية الأولياء" (2/178) .

إنما تؤتى من قبل توهمك المتزايد مع كل محاولة تفشل فيها فتيأس للوهلة الأولى ، فلا تعطي نفسك الفرصة للصبر والتهيؤ لمعالجة ما عسى أن يكون هو السبب الحقيقي لهذا الإعراض ، لكنك لا تبحث عن ذلك ولا تتدبره ، ثم تلتفت إلى تلك القناعة المتوهمة .

فننصحك بما يلي :

أولا : انس الفائت كله تماما ، جملة وتفصيلا ، كأنه لم يكن .

ثانيا : استقبل أيامك ومواقفك مع الناس بالتفاؤل والأمل وحسن الظن بالله .

ثالثا : ليكن الأصل في التعامل مع الناس حسن الظن بكل ما يقع منهم ، ولا تلتفت إلى ما قد يطرأ من وساوس وظنون .

عن عمر بن عبد العزيز قال : " يا بني إذا سمعت كلمة من مسلم فاحملها على أحسن ما تجد حتى لا تجد محملا " انتهى من "مداراة الناس" (ص 48) .

رابعًا : ابتعد تماما عن الحساسية المفرطة وكثرة التفكير وخاصة في الأمور العارضة ، واحمل الوقائع غير المستحسنة من الناس على محمل ( لعل ، ولعل ) .

عن أبي قلابة قال :

" التمس لأخيك العذر بجهدك ، فإن لم تجد له عذرا فقل : لعل لأخي عذرا لا أعلمه " .

انتهى من "مداراة الناس" (ص 48) .

خامساً : ابتعد عن الانطوائية ، وأقبل على الناس برحابة صدر .

سادساً : لا تعامل الناس على سبيل التجربة ، ولكن من منطلق العقل والحكمة ، والحرص على التقرب منهم والتودد إليهم ، وفي سبيل ذلك احتمل أذاهم ، ومن أعرض منهم أقبل عليه ، ومن أساء منهم اعف عنه ، ومن جهل منهم احلم عليه .

سابعاً : ليكن تعرفك بالناس من منطلق الدعوة والأخوة الإسلامية ، فاحرص ما أمكنك على أن يكون تعرفك بالناس لغرض شرعي من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو نصيحة أو تحقيق مصلحة ونحو ذلك .

ثامناً : لا تهمل مع ذلك الجوانب الترفيهية مع الناس ، فاخرج معهم للتنزه والتفسح ، وخالطهم في أحاديثهم ومحاوراتهم .

تاسعا : لا تصاحب إلا ذا دين وخلق ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ) رواه الترمذي (2395) وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي" .

عاشراً : أكثر من التبسم ، فإنه من أحسن الخلق ؛ وقد روى الترمذي (3574) وحسنه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ : " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وصححه الألباني في "صحيح الترمذي" .

وروى مسلم (4760) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ) .

حادي عشر : إذا ساءك موقف من المواقف فابحث عن سبب حصوله ولو بسؤال صاحب الموقف معك ، وناقشه في ذلك ، وحاول أن تتوصل بالبرهان إلى مكمن العلة ، وإياك أن تستسلم معتقدا أن هذا هو الأمر الطبيعي مع الناس : عزوفهم عني .

ثاني عشر : أين أنت من مؤانسة القرآن ومدارسة السنة وسير السلف وكيف كان صبرهم على أذى الناس ؟ أين أنت من العلاج الشرعي للهم والغم بالقرآن والدعاء والأذكار ؟ أين أنت من التعلق بالمساجد وكثرة التردد عليها ؟ أين أنت من قيام الليل ودعاء السحر ؟

كل ذلك جدير بالذهاب بهذا الهم الجاثم وهذه الكروب المتناوبة على قلبك .

وفي كتاب "مداراة الناس" لابن أبي الدنيا رحمه الله مجموعة صالحة من الآثار عن السلف تتعلق بهذه المسألة ، فننصحك باقتنائه والنظر فيه .

ومما جاء فيه ما رواه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : " من يتبع نفسه كل ما يرى في الناس يطل حزنه ولا يشف غيظه "

وعن عبد الوهاب بن الورد قال : " جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال : إني قد حدثت نفسي أن لا أخالط الناس فما ترى ؟ قال : لا تفعل إنه لا بد للناس منك ، ولا بد لك منهم ، لك إليهم حوائج ، ولهم إليك حوائج ، ولكن كن فيهم أصم سميعا ، أعمى بصيرا ، سَكوتا نطوقا " .

وعن أيوب السختياني قال : " لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان : العفة عما في أيدي الناس ، والتجاوز عما يكون منهم " انتهى من "مداراة الناس" (ص 40- 46) .

راجع جواب السؤال رقم : (47026)

والله تعالى أعلم .

الباب: التربية·تربية النفس

سؤال رقم ٣١٬٧٥٧

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب تربية النفس ‹