الحديث وعلومه · الأحاديث الصحيحة

أمر الله للشمس أن ترجع من حيث جاءت ، عند قيام الساعة !!

سؤال وجواب رقم ١١٬٢٠٠

السؤال

كنت أقرأ كتاب لابن كثير عن يوم القيامة , وذكر فيه حديثا من " صحيح مسلم " (159,205) أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذرٍّ حين غربت الشمس : ( أتدري أين تذهب ؟ ) ، قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : ( فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فتستأذن ، فيؤذن لها ، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها ، وتستأذن فلا يؤذن لها ، يقال : ارجعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها )

أنا أدرك أنّ كل شيء في هذا الكون يسبح بحمد الله ، وسجود الشمس من ضمن ذلك ، ولكن كيف يمكن للشمس أن تعود ونحن نعلم أنّ الشمس لا تبقى ساكنة ، فهي دائمة الحركة ، ولا تعود إلى أي مكان ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

نصيحتنا لكل من يخوض في فهم الأحاديث النبوية الشريفة ، أو فهم الآيات القرآنية الكريمة ، أن لا ينطلق من دعاوى يظنها مسلمات وحقائق كونية ، وهو لا يملك عليها أدنى دليل علمي ، ولم يوثقها أحد من أهل الاختصاص بالأدلة والبراهين ، بل لا بد أن يحرص على الموضوعية ، فيأخذ الأمور في جملتها وسياقها الصحيح ، ويدع عن نفسه وقلبه وسواس التعارض والتناقض، فقد أصبح هذا الأمر هاجسا لدى كثير من الناس ، والسبب قلة العلم وضحالة البحث .

فقول السائل في آخر سؤاله هنا : " ونحن نعلم أن الشمس لا تعود إلى أي مكان "، على فرض التسليم به فلا يتعارض مع الحديث ، ولكننا لا نسلم أصلا بصحته ، فالجزم بأن الشمس لا تعود إلى أي مكان لا يقوى عليه حتى أكابر علماء الفضاء – فيما اطلعنا -، أو على الأقل إطلاق مثل هذه الدعوى ليس بالأمر السهل ، ولا يكون بجرة قلم يريد السائل أن يجعلها مسلمة كي نخوض في الجواب عليها .

وقد أمرنا الله عز وجل بالتحري والتثبت في منهج البحث العلمي ، فليس من اللائق أن نعارض روايات السنة بدعاوى مظنونة .

ومزلق النفي مزلق خطير يقع فيه الكثيرون ، بل هو إحدى أكبر أسباب أخطاء البشر ، النفي المتسرع ، وعدم الاعتراف بضعف الإنسان وجهله بأسرار هذا الكون .

وآية ذلك : أن الشمس نفسها اكتشفت لها في العشرين سنة الأخيرة مجموعة من الحركات والمدارات لم تكن معروفة من قبل ، أذهلت العلماء والباحثين ، وتركت في العقول والقلوب تسليما مطلقا بواسع خلق الله وعظيم صنعه ، الأمر الذي يتعذر معه نفي شيء هو في عالم الغيب ، وليس في عالم الشهادة .

هذه مقدمة لا بد أن تستقر في ذهن السائل الكريم ، ثم نقول له أيضا :

ثانيا :

إذا لم يكن لدينا قاطع علمي على نفي معين ، وبتفاصيل محددة ، وقد جاء في الأخبار ما يفهم من ظاهره : إثبات ذلك أو نفيه ؛ لم يكن من المنطق العلمي في شيء : أن نهدر دلالة النصوص ، أو نستشكلها ، لأجل دليل لم يثبت ولم يتحرر .

يقول الإمام الخطابي رحمه الله :

" لا ينكر أن يكون لها استقرار تحت العرش ، من حيث لا ندركه ولا نشاهده ، وإنما هو خبر عن غيب ، فلا نكذب به ، ولا نكيفه ؛ لأن علمنا لا يحيط به " .

انتهى من " أعلام الحديث شرح صحيح البخاري " (ص/1893) باختصار.

وإذا كان ذلك مبدءا منطقيا في الأمور التي تجري على السنن المعتاد في حياة الناس ؛ فكيف يكون الأمر ونحن نتحدث عن حالة من أعظم أحوال اختلال السنن الكوني المعتاد من الناس ، وانفراط النظام الذي يجري عليه الكون ؛ إيذانا بذلك الحدث الضخم ، وهو انتهاء أمر الكون والحياة فيه ، وانتقال الناس إلى مواقف القيامة عند رب العالمين ؟

فمثل هذا أمر لا يخضع لقوانين العقل ، ولا حسابات الفلك ، ولا نظر الناس وعقولهم ؛ إنما هي الإرادة التامة ، والقدرة المطلقة لخالق الكون ، رب العالمين .

ومثل هذا يقال عن أشراط الساعة الكبرى ، وأحوال القيامة ، وأهوالها ؛ فهذا كله خارج عن القياس العقلي البشري ، لأنه ليس من حركة الكون المعتادة للناس ، ولا من حركتهم في هذا الكون ، في شيء .

قال الإمام الحافظ أبو بكر ابن العربي ، رحمه الله :

" وأما طلوع الشمس من مغربها فهو قلب الهيئة وإبطال الدنيا " انتهى من "عارضة الأحوذي" .

والخلاصة : أن المراد بـ " رجوع الشمس " من حيث جاءت : هو طلوعها من مغربها ، وهو من أمور الغيب الممكنة ، وقد جاء به الخبر ، وليس في قواطع العلوم ما ينفي ذلك ؛ ثم إن ذلك إنما يكون عند اختلال نظام العالم ، وعلامة على فناء الدنيا ، ومجيء القيامة .

والله أعلم .

الباب: الحديث وعلومه·الأحاديث الصحيحة

سؤال رقم ١١٬٢٠٠

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأحاديث الصحيحة ‹