الحديث وعلومه · عادات

ما صحة امتلاك أم المؤمنين ميمونة لكلب اسمه مسمار ؟

سؤال وجواب رقم ١٧٬١٩٩

السؤال

ما صحة هذين الأثرين :

- رَوى الإمام أحمد في " الزهد "، عن جعفر بن سليمان ، قال : " رأيت مع مالك بن دينار كلبا فقلت : ما تصنع بهذا يا أبا يحيى ؟

فقال : هذا خير من جليس السوء " .

- يُروى أن أم المؤمنين ميمونة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - كان لها كلب يُقال له : مِسمار ، وكانت إذا حجَّت خرجت به معها ، فليس يطمع أحد بالقرب من رحلها مع مسمار ، فإذا رجعت ، جعلته في بني جَديلة ، وأنفقت عليه ، فلما مات ، قيل لها : مات مسمار . فبكت وقالت : فُجِعْتُ بمسمار.

حيث يستدل به بعض الناس على جواز اقتناء الكلب لغير الحراسة والصيد ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

الأثر الأول عن مالك بن دينار ، يروى من طرق ثلاثة :

الطريق الأول : طريق محرز بن عون قال : حدثنا أخي مختار ، عن جعفر بن سليمان الضبعي قال :

" رأيت خلف مالك بن دينار كلبا يتبعه ، فقلت: ما هذا يا أبا يحيى؟ قال: هذا خير من جليس السوء " .

أخرجه ابن المرزبان المحولي في " فضل الكلاب " (ص36)، والطبراني في " المعجم الأوسط " (1/ 200)، والخطابي في " العزلة " (ص49) ، والمخلِّص في " المخلصيات " (3/47، 4/172)، وأبونعيم في " حلية الأولياء " (2/384) ، والبيهقي في " الزهد الكبير " (ص/101) ، والخطيب البغدادي في " تاريخ بغدادي " (15/355) ، وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (56/419) .

الطريق الثاني :

رواه ابن حبان في " روضة العقلاء " (ص82) قال :

أنبأنا محمد بن أحمد بن الفرج البغدادي بالأبلة ، حدثنا إبراهيم بن حماد بن زياد ، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب ، قال :

" رؤي إلى جنب مالك بن دينار كلب عظيم ، ضخم ، أسود ، رابض ، فقيل له : يا أبا يحيى ! ألا ترى هذا الكلب إلى جنبك !

قال : هذا خير من جليس السوء ".

الطريق الثالث :

رواه أبو نعيم في " حلية الأولياء وطبقات الأصفياء " (2/ 384) قال : حدثنا محمد بن علي ، قال : ثنا أحمد بن عبد الله الوكيل ، قال : ثنا إبراهيم بن الجنيد ، قال : ثنا عمار بن زربي ، قال : ثنا حماد بن واقد الصفار ، قال :

" جئت يوما مالك بن دينار وهو جالس وحده ، وإلى جانبه كلب ، وقد وضع خرطومه بين يديه ، فذهبت أطرده ، فقال :

دعه ، هذا خير من جليس السوء ، هذا لا يؤذيني " .

وخلاصة هذه الطرق الثلاثة أن الخبر عن مالك بن دينار محكي في كتب التاريخ والرواية ، غير أن إعمال المعيار الحديثي ، الذي أسسه النقاد للحكم على الأحاديث بالقبول أو الرد يقضي على هذه الآثار بالتضعيف ، لما في أسانيدها من رواة مجاهيل ، يطول المقام بتفصيل حالهم :

الإسناد الأول فيه : مختار بن عون ، الذي لم نعثر له على ترجمة سوى في " تاريخ بغداد " (15/355) وليس فيها توثيق أو تجريح .

والإسناد الثاني فيه : إبراهيم بن حماد بن زياد ، لم يرد فيه جرح ولا تعديل، سوى إيراد ابن حبان له في كتاب " الثقات " (8/74)، وكذلك محمد بن أحمد بن الفرج الأبلي ، الذي روى عنه ابن حبان ، ترجمه الخطيب ، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا . " تاريخ بغداد " (1/ 329).

والإسناد الثالث فيه : حماد بن واقد الصفار ، قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال ابن عدي: عامة ما يرويه مما لا يتابعه الثقات عليه ، انظر " تهذيب التهذيب " (3/21)، وفيه أيضا عمار بن زربى ، قال فيه العقيلي : الغالب على حديثه الوهم ، ولا يعرف إلا به .

ينظر " ميزان الاعتدال " (3/164) .

ثانيا :

أما أثر الكلب مسمار ، فقد رواه إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " (3/ 907) قال : حدثنا عبد الله بن شبيب ، عن ابن أبي أويس ، عن أبيه ، عن عباس بن عبد الله بن معبد ، عن أبيه ، عن ميمونة ، أنه كان لها كلب ، فأخذه داء يقال له الجحام ، فقالت : وارحمتا لمسمار . تعني الكلب .

والجحام : " داء يأخذ الكلب في رأسه ، فيكوى منه ما بين عينيه ، وقد يصيب الإنسان أيضا " كما في " النهاية في غريب الحديث والأثر " (1/ 241) .

وهذا الإسناد شديد الضعف ، وذلك لعلتين :

العلة الأولى :

عبد الله بن شبيب ، وهو الربعي القيسي ، وقد اتفق المحدثون على تضعيفه :

قال أبو أحمد الحاكم :

" ذاهب الحديث " انتهى من " الأسامي والكنى " (5/ 65 - الشاملة).

وقال ابن حبان :

" يقلب الأخبار ويسرقها ، لا يجوز الاحتجاج به لكثرة ما خالف أقرانه في الروايات عن الأثبات " انتهى من " المجروحين " (2/47) .

وقال ابن عدي :

" سمعت عبدان يقول : قلت لعبد الرحمن بن خراش : هذه الأحاديث التي يحدث بها غلام الخليل من أين له ؟ قال : سرقها من عبد الله بن شبيب ، وسرقها عبد الله بن شبيب من النضر بن سلمة شاذان ، ووضعها شاذان " انتهى من " الكامل في ضعفاء الرجال " (5/ 430) وأورد له مجموعة من منكرات ما روى .

وقال الخطيب البغدادي :

" أخبرني محمد بن علي المقرئ ، قال : أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري ، قال : سمعت أبا علي الحافظ ، يقول : كان أبو بكر محمد بن إسحاق ، يعني ابن خزيمة ، كتب عن عبد الله بن شبيب ، ثم لم يحدث عنه قط " انتهى من " تاريخ بغداد " (11/ 149) .

وقال الذهبي :

" مجمع على ضعفه " انتهى من " ديوان الضعفاء " (ص: 218) .

العلة الثانية :

ابن أبي أويس ، واسمه إسماعيل ، يروي عن أبيه عبد الله ، وإسماعيل وأبوه كلاهما لا يقبل تفردهما بالرواية الغريبة ، فقد قبلهما بعض الأئمة ، كالإمام أحمد وأبو حاتم ، غير أن آخرين ضعفوهما كما قال يحيى بن معين : أبو أويس وابنه ضعيفان ، وقال النسائي عن إسماعيل : ضعيف .

فمثلهما إذا تفردا بغريب المرويات يتوقف فيه المحدثون ، لذلك قال عنه الدارقطني : لا أختاره في الصحيح . انظر " تهذيب التهذيب " (1/311) .

وقال الذهبي :

" استقرّ الأمرُ على توثيقه ، وتجنُّب ما يُنكر له " انتهى من " تاريخ الإسلام " (5/ 535) .

فلا يقبل هذا الحديث الذي تفرد به دون غيره من الرواة ، خاصة وفي إسناده عبد الله بن شبيب المتهم بسرقة الأخبار وقلبها ، فيخشى أن يكون هذا منها مما اصطنع له الإسناد ، وحقيقته أنه غير ثابت .

ولمراجعة ما سبق من فتاوى في حكم اقتناء الكلاب ، يرجى النظر في الأرقام الآتية : (69777) ، (153894) .

الباب: الحديث وعلومه·عادات

سؤال رقم ١٧٬١٩٩

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب عادات ‹