الحديث وعلومه · الإيمان بالقضاء والقدر

حديث إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره

سؤال وجواب رقم ٢٦٬٠٣٠

السؤال

أنا متحير بخصوص حديث ، هل هو صحيح أم ضعيف ، وهل هو مقبول أم لا يتوافق مع القرآن والسنة .

روى ابن عمر - في الترمذي وعند أحمد والطبراني والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن الكبرى - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

( إن الله عز وجل خلق الخلق في الظلام ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن مسه النور فقد هدي ، ومن لم يمسه النور فقد ضل ، جف القلم .....إلى آخر الحديث ) جزاكم الله خيرا .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

هذا الحديث يرويه الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص فيقول : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى ، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ ) فَلِذَلِكَ أَقُولُ – في رواية أن القائل هو عبد الله بن عمرو -: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ .

أخرجه الإمام أحمد في " المسند " (11/219)، وابن أبي عاصم في " السنة " (244)، وابن حبان (14/43)، والحاكم في " المستدرك " (1/84) من طريق ربيعة بن يزيد .

وأخرجه الإمام أحمد في " المسند " (11/441) والنسائي في " السنن " من طريق عروة بن رويم .

وأخرجه الترمذي (2642) والحاكم في " المستدرك " (1/84) من طريق يحيى بن أبي عمرو السيباني .

ثلاثتهم ( ربيعة بن يزيد ، وعروة بن رويم ، ويحيى بن أبي عمرو ) عن ابن الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو به.

وابن الديلمي اسمه عبد الله بن فيروز : وهو من كبار التابعين ، وثقه ابن معين ولم يجرحه أحد ، والرواة عنه من الثقات الحفاظ .

لذلك قال الترمذي رحمه الله :

" حديث حسن " انتهى.

وقال الحاكم رحمه الله :

" هذا حديث صحيح قد تداوله الأئمة ، وقد احتجا بجميع رواته ، ثم لم يخرجاه ، ولا أعلم له علة " انتهى.

وقال الذهبي رحمه الله :

" على شرطهما ، ولا علة له " انتهى من " التلخيص ". ولكن ننبه إلى أن عبد الله بن فيروز ليس على شرط البخاري ومسلم .

وقال الهيثمي رحمه الله :

" رجال ثقات " انتهى باختصار من " مجمع الزوائد " (7/193)

وقال الشيخ الألباني رحمه الله :

" إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات " انتهى من " السلسلة الصحيحة " (رقم/1076)

ثانيا :

فإن قال قائل : هذا الحديث يدل على أن سبب دخول الناس الجنة أو النار هو الصدفة والاتفاق وليس الخُلُقُ والعمل ، فالسعيد مَن أصابه مِن نور الله عز وجل بمحض المصادفة في ذلك الموقف الذي خلق الله فيه الخلق ، والشقي مَن حُرِمَ ذلك النور

فالجواب أن مَن أصابه مِن نور الله الذي ألقاه – كما يخبر هذا الحديث الصحيح – لم يصبه على سبيل المصادفة ، وإنما أصابه لأن الله عز وجل كان يعلم – بعلمه الأزلي – أن هذه النسمة ستكون صالحة تقية عابدة لله عز وجل في الدنيا ، فقدر لها أن يصيبها من نور الله في ذلك الموقف .

ومن علم الله عز وجل – بعلمه الأزلي – أنه سيعمل سيئا في حياته ، وسيكون مع الأشقياء الفاسقين ولن يؤمن مع المؤمنين : فهذا يحرمه سبحانه وتعالى من ذلك النور في بداية الخلق . وهذا معنى قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في آخر الحديث : ( جف القلم على علم الله عز وجل )

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" ( جف القلم ) أي : فرغت الكتابة ، إشارة إلى أن الذي كتب في اللوح المحفوظ لا يتغير حكمه . قوله : ( على علم الله ) أي : على حكمه ؛ لأن معلومه لا بد أن يقع ، فعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه " انتهى من " فتح الباري " (11/491)

لذلك بوب الحافظ ابن حبان رحمه الله على الحديث بقوله :

" ذكر الإخبار عن علم الله جل وعلا مَن يصيبه مِن ذلك النور أو يخطئه عند خلقه الخلق في الظلمة " انتهى من " صحيح ابن حبان " (14/44)

وبوب عليه الآجري رحمه الله بقوله :

" باب ذكر السنن والآثار المبينة بأن الله عز وجل خلق خلقه ، من شاء خلقه للجنة ، ومن شاء خلقه للنار ، في علم قد سبق " انتهى من " الشريعة " (ص/741) دار الوطن – تحقيق عبد الله الدميجي.

وقال البيهقي رحمه الله :

" باب ذكر البيان أن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره :

فمن علم الله إيمانه ، وأمر القلم فجرى به وكتب من السعداء : أصابه من ذلك النور فاهتدى . ومن علم الله كفره ، وأمر القلم فجرى به وكتب من الأشقياء : أخطأه ذلك النور فضل .

قال الله عز وجل : ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ) الأنعام/122.

وقال الله عز وجل : ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) البقرة/257.

وقال : ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ) الجاثية/23 " انتهى من " القضاء والقدر " (1/256) طبعة مكتبة الرشد

ولمزيد من الفائدة حول القدر ، ينظر جواب السؤال رقم (34732) ، و (20806) ، و (96978)

والله أعلم .

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الإيمان بالقضاء والقدر ‹