الحديث وعلومه · مصطلح الحديث

دراسة روايات حديث النهي عن تأبير النخل

سؤال وجواب رقم ٣٠٬٩٦٢

السؤال

قد قرأت ثلاثة أحاديث عن حادثة تأبير النخل ، فأيها صحيح ، وأيها صحيح من حيث المتن ، أي لا يخالف الشريعة الإسلامية ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

الأحاديث الواردة في قصة " تأبير النخل " كثيرة كما يقول البزار : " رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم : أنس ، وعائشة ، ورافع بن خديج ، وجابر بن عبد الله ، ويسير بن عمرو " انتهى من " البحر الزخار " (3/154) .

ونحن نذكرها هنا مع بيان ألفاظها وتخريجها :

الحديث الأول :

ولفظه فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجزم النهي عن تأبير النخل ، وإنما أخبرهم بالظن ، فعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ : ( مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟ ) فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَهُ ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا ). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : ( إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ) .

رواه كل من أبي عوانة وإسرائيل ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه .

أخرجه مسلم في " صحيحه " (رقم/2361)، وأحمد في " المسند " (3/15) وعبد بن حميد في " المسند " – كما في " المنتخب " (ص/64) - وأبو داود الطيالسي في " المسند " (1/186) – ومن طريقه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " (3/48) –، وأخرجه ابن أبي عاصم في " الآحاد والمثاني " (1/165)، وأبو يعلى في " المسند " (2/12)، والشاشي في " المسند " (1/68، 70)، وأبو نعيم في " حلية الأولياء " (4/ 372( كلهم من طريق أبي عوانة عن سماك.

أما رواية إسرائيل عن سماك فأخرجها أحمد في " المسند " (3/18) وابن ماجه في " السنن " (رقم/2470)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (4/423)، وفي " شرح معاني الآثار " (3/48)، والشاشي في " المسند " (1/69) .

ولفظ رواية إسرائيل قريب جدا من لفظ رواية أبي عوانة ، إلا أنه لم يقل : ( ولا تؤاخذوني بالظن)، بل قال مكانه : ( والظن يخطئ ويصيب ) .

ورواه كل من حفص بن جميع وأسباط بن نصر عن سماك ، كما عند البزار في " البحر الزخار " (3/154) ولم يذكر ألفاظهما .

الحديث الثاني :

ولفظه قريب من الحديث الأول ، لا يشتمل على جزم النهي ، وإنما على الظن منه عليه الصلاة والسلام .

عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : " قَدِمَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ ، فَقَالَ : ( مَا تَصْنَعُونَ ؟ ) قَالُوا : كُنَّا نَصْنَعُهُ ، قَالَ : ( لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا ) ، فَتَرَكُوهُ ، فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ ، قَالَ : فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) قال عكرمة : أو نحو هذا ) .

رواه مسلم في " صحيحه " (حديث رقم/2362)، وابن حبان في " صحيحه " (1/202) والطبراني في " المعجم الكبير " (4/280) من طريق النضر بن محمد ، حدثنا عكرمة وهو ابن عمار ، حدثنا أبو النجاشي ، حدثني رافع بن خديج .

الحديث الثالث :

ولفظه هو المشتهر بين الناس ، جاء معناه في آخر الحديث السابق ، وهو قوله : ( أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ) أو ( إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ ) .

رواه كل من عفان ، والأسود بن عامر ، وعبد الصمد ، ومحمد بن كثير العبدي عن حماد بن سلمة ، ورواه حماد من طريقين : عن ثابت ، عن أنس بن مالك وعن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ : ( لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ) ، قَالَ : فَخَرَجَ شِيصًا ، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ : ( مَا لِنَخْلِكُمْ ؟ ) قَالُوا : قُلْتَ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ) .

أخرجه مسلم في " صحيحه " (حديث رقم/2363)، وأحمد في " المسند " (20/19) (41/401)، وابن ماجة في " السنن " (رقم/2471)، والبزار في " البحر الزخار " (13/355) (18/99)، وأبو يعلي في " المسند " (6/198) (6/237)، والطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (4/424)، وابن حبان في " صحيحه " (1/201) .

الحديث الرابع :

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ , قَالَ : " أَبْصَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ يُلَقِّحُونَ ، فَقَالَ : ( مَا لِلنَّاسِ؟ ) فَقَالُوا : يُلَقِّحُونَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ : ( لَا لِقَاحَ أَوْ مَا أَرَى اللِّقَاحَ شَيْئًا )، فَتَرَكُوا اللِّقَاحَ ، فَجَاءَ تَمْرُ النَّاسِ شِيصًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا لَهُ , مَا أَنَا بِصَاحِبِ زَرْعٍ وَلَا نَخْلٍ لَقِّحُوا ) .

رواه الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " (4/425) قال : حدثنا أحمد بن داود بن موسى ، ثنا عياش بن الوليد الرقام ، ثنا محمد بن الفضيل ، ثنا مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن جابر به . ومجالد بن سعيد ضعيف الحديث ، كما في " تهذيب التهذيب " (10/41) .

ثانيا :

الخلاصة : أن أصل القصة صحيح بلا شك ، ولكن الاختلاف الوارد في ألفاظها يدل على أن بعض الرواة نقلوا فيها المعنى وليس النص النبوي ، كما قال العلامة محمد رشيد رضا في " تفسير المنار " (7/426): " اختلاف الألفاظ يدل على أنها رويت بالمعنى " انتهى.

وقد ذهب الطحاوي إلى أنها حوادث متعددة ، فقال : " قال صلى الله عليه وسلم ما حكاه عنه طلحة لبعض من رآه يعاني اللقاح ، ثم قال ما حكته عنه عائشة وأنس في قوم آخرين ممن رآهم يعانون التلقيح ، وقال ما في حديث جابر لقوم آخرين وأنهم يعانون التلقيح ، فحكى كل من سمعه صلى الله عليه وسلم يقول شيئا مما سمعه يقوله ، وكلهم صادق فيما حكاه عنه , وكل أقواله التي قالها صلى الله عليه وسلم مما حكاه عنه هؤلاء القوم كما قال " انتهى من " شرح مشكل الآثار " (4/425) .

لكن الراجح أنها حادثة واحدة ، إذ من المستبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب أربعة أو خمسة أقوام بذلك ، ثم اعتذر لهم كل على حدة ، ومن المستبعد أيضا أن تكون عائشة رضي الله عنها قد كانت ترافقه حين مر على القوم الذين يؤبرون النخل ، فالغالب أنها وأنس بن مالك رضي الله عنهما قد أخذوا الحديث عن غيرهم من الصحابة ، وبذلك يقوى احتمال اتحاد الحادثة .

ولو طلب منا أن نختار إحدى هذه الألفاظ ونرجح بينها ، لاخترنا اللفظ الأول منها ، الذي رواه سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه ، إذ هو الذي يغلب على الظن أنه صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لدليلين :

الدليل الأول :

أنه اللفظ الذي قدّمه الإمام مسلم في " صحيحه "، وقد قال العلامة المعلمي رحمه الله : " عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها ، يقدم الأصح فالأصح " انتهى من " الأنوار الكاشفة " (ص29) .

الدليل الثاني :

أن اللفظ الأول هو اللفظ الوحيد الذي ذكر كلمة ( الظن )، يصرح النبي صلى الله عليه وسلم فيها إخباره بما يمليه عليه ظنه في أمور الدنيا ، ولم يأمرهم أمرا تعبديا كما توهمه ألفاظ حديث رافع وأنس وعائشة وجابر رضي الله عنهم ، والتصريح بالظن يجنب المخاطبين الخلط بين السنة التشريعية وغير التشريعية .

يقول المعلمي رحمه الله : " قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة : ( ما أظن يغني ذلك شيئاً ) إخبار عن ظنه ، وكذلك كان ظنه ، فالخبر صدق قطعاً ، وخطأ الظن ليس كذباً ، وفي معناه قوله في حديث رافع : ( لعلكم )، وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد ، لأن حماداً كان يخطئ ، وقوله في حديث طلحة ( فإني لن أكذب على الله ) فيه دليل على امتناع أن يكذب على الله خطأ ؛ لأن السياق في احتمال الخطأ ، وامتناعه عمداً معلوم من باب أولى ، بل كان معلوماً عندهم قطعاً " انتهى من " الأنوار الكاشفة " (ص29) .

ثالثا :

لا يتعارض الحديث مع قوله تعالى : ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) النجم/3-4. لأن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة تأبير النخل صرح بأنه كان ظنا وتقديرا منه على حسب ما يعلمه من أمور الدنيا ، فأي حديث بعده يرد من غير تصريح بكلمة الظن وما يدل عليها داخل في عموم الآية ، ويجب التسليم به على أنه وحي وتشريع إلا لقرينة صارفة .

يقول الطحاوي رحمه الله :

" لم يكن ذلك منه صلى الله عليه وسلم إخبارا عن وحي , وإنما كان منه على قول غير معقول ظاهر [ يعني : أنه خبر عن أمر حسي مشاهد للناس ] مما يتساوى فيه الناس في القول , ثم يختلفون فيتبين ذوو العلم به عمن سواهم من غير أهل العلم به , ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان يعاني ذلك ، ولا من بلد يعانيه أهله ; لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بلده مكة ، ولم تكن دار نخل يومئذ , وإنما كان النخل فيما سواها من المدينة التي صار إليها صلى الله عليه وسلم , وكان القول في الأمر الذي قال على الظن به " انتهى من " شرح مشكل الآثار " (4/425) .

ويقول الإمام النووي رحمه الله :

" قال العلماء : ولم يكن هذا القول خبرا ، وإنما كان ظنا كما بينه في هذه الروايات ، قالوا : ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره ، فلا يمتنع وقوع مثل هذا ، ولا نقص في ذلك " انتهى من " شرح مسلم " (15/116) .

ويقول ابن تيمية رحمه الله :

" لم ينههم عن التلقيح ، لكنهم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم ، كما غلط من غلط في ظنه أن (الخيط الأبيض) و(الخيط الأسود) هو الحبل الأبيض والأسود" انتهى من " مجموع الفتاوى " (18/12) .

والله أعلم .

الباب: الحديث وعلومه·مصطلح الحديث

سؤال رقم ٣٠٬٩٦٢

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب مصطلح الحديث ‹