العقيدة · الجنة والنار

هل يمكن أن تدعو الفتاة ربها بأن يزوجها بمن تحب في الجنة ؟

سؤال وجواب رقم ١٤٬٣٩٥

السؤال

هل يمكن أن تدعو الفتاة ربها بأن يزوجها بمن تحب في الجنة ؟ أم إن ذلك من الاعتداء في الدعاء ؟ وهل يمكن أن تظل الفتاة بلا زوج في الجنة إن لم تكن تجد في الزواج متعة ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

ينبغي أن يكون اهتمام المسلم وعنايته بما ينفعه في الدنيا والآخرة ، فيكون اهتمامه بمعرفة ماذا أراد الله منه في هذه اللحظة التي يعيشها الآن ليقوم بذلك ، ولا يكون شغله الشاغل أشياء قد لا ينتفع بها .

ولمزيد الفائدة حول ما ينبغي للمسلم أن يهتم به يراجع السؤال رقم : (218912) .

وحاصل ذلك كله : أن على المسلم أن يكون اهتمامه بما يزحزحه عن النار ويدخله الجنة ، قال الله تعالى : ( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) آل عمران / 185 .

وعلى هذا ينبغي أن يكون قلقه ، لا أن يقلق على ما سيكون له في الجنة ، وإنما همه الأول : كيف له أن يزحزح عن النار ، ويدخل الجنة ؟!

ففي سورة الأنبياء بعد أن ذكر الله تعالى جملة من الأنبياء قال : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) الأنبياء/90.

أي : رغبا فيما عند الله من الخير ، ورهبا مما عند الله من العذاب في الدنيا والآخرة ، وأعظم الخير دخول الجنة ، وأعظم العذاب عذاب النار .

وقال الله تعالى : ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ، إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) الفرقان / 63 - 66 .

وقال تعالى : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) آل عمران/190-194.

ولما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه عما يدعو به في صلاته فقال : ( أَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ النَّارِ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ) رواه أبو داود (972) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

والمقصود : أن دعاءنا في النهاية يرجع إلى مقصود واحد وإن اختلفت ألفاظه .

فهكذا كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كان يدور حول دخول الجنة والنجاة من النار ، فإنه متى أدرك ذلك : فقد قرت عينه ، ونعم نعيما لا شقاء فيه بوجه ، ولا تنغيص فيه بوجه ، ولا هم ، ولا نصب ، ولا حزن ، ولا أذى ... ؛ فبهذا ، فليكن شغله ، وإلا فلا !!

ولم يكن من دعاء الصالحين قبلنا : الاشتغال بتفصيل النعيم الذي ينتظرهم في الجنة ، أو بتفصيل العذاب الذي يسألون الله أن ينجيهم منه ، بل كانوا يعتبرون التشقيق والتفصيل في ذلك نوعا من الاعتداء في الدعاء ، ولذلك لما سمع سعد بن معاذ رضي الله عنه ابنه يدعو قائلا : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَبَهْجَتَهَا ، وَكَذَا وَكَذَا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلاَسِلِهَا وَأَغْلاَلِهَا ، وَكَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ : يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاء ) فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ، إِنْ أُعْطِيتَ الْجَنَّةَ أُعْطِيتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ ، وَإِنْ أُعِذْتَ مِنَ النَّارِ أُعِذْتَ مِنْهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ . رواه أبو داود ( 1480 ) ، وصححه الألباني " صحيح سنن أبي داود " ( 1480 ) .

فيكفي المسلم أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار ، ثم إذا دخل الجنة فله فيها ما يرضيه وزيادة من النعيم .

روى مسلم (181) عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا ، أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ ، وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ ، قَالَ : فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ) .

يعني أن أهل الجنة متى بلغوا منتهى ما يعلمون من النعيم ، تفضل الله عليهم ، فأعطاهم أعلى نعيم الجنة ، وهو رؤيته سبحانه وتعالى والنظر إلى وجهه الكريم ، نسأل الله تعالى أن نكون من أهلها .

ثانيا :

أما سؤالك : ( وهل يمكن أن تظل الفتاة بلا زوج في الجنة إن لم تكن تجد في الزواج متعة ؟ )

فيقال فيه ما سبق : أن المسلم ينبغي أن ينشغل بدخول الجنة والنجاة من النار ، فإذا دخل الجنة فله فيها من أنواع النعيم ما يرضيه وزيادة .

وقد روى مسلم ( 2834 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ ) .

فالزواج من أنواع النعيم الذي سيتنعم به جميع أهل الجنة .

وقد لا تجد المرأة رغبة في الزواج في الدنيا ؛ فهذا شعور في الدنيا ، ولا تقاس مشاعر أهل الجنة بمشاعر أهل الدنيا .

والله أعلم .

الباب: العقيدة·الجنة والنار

سؤال رقم ١٤٬٣٩٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الجنة والنار ‹