العقيدة · العقيدة

هل أطفال المشركين في الدنيا كفار حقيقةً أم حكماً ؟

سؤال وجواب رقم ١٥٬٨٩٢

السؤال

قال ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى أوﻻد المشركين مشركين تبعاً لآبائهم في أحكام الدنيا. هل يأثم من يقول إنهم كفار كفر مجازي وليس كفر حقيقي ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

اختلف العلماء في حكم أطفال المشركين في الآخرة ، وقد سبق بيان أنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم ، فمن أطاع منهم دخل الجنة ، ومن عصى منهم دخل النار .

وينظر جواب السؤال رقم: (6496) .

ثانياً :

أما في الدنيا فأطفال المشركين تبعٌ لآبائهم في الأحكام ، كالإرث والنكاح والقصاص والديات وغير ذلك ، فلا يغسلون ولا يصلى عليهم ولا يدفنون في مقابر المسلمين .

قال ابن القيم رحمه الله : " قد علم بالاضطرار من شرع الرسول صلى الله عليه وسلم أن أولاد الكفار تبع لآبائهم في أحكام الدنيا " انتهى من "شفاء العليل" (ص 298).

وكون أطفال المشركين يتبعون آبائهم في أحكام الدنيا لا يعني أنهم في حقيقة الأمر كفار ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) رواه البخاري (1385) ، ومسلم (2658).

فهم كلهم مولودون على الفطرة ، ومنهم من يدخل الجنة حتماً.

وإنما يقال : هم كفار حكماً تبعا لآبائهم ، لا حقيقة.

قال ابن القيم رحمه الله : " وَكَوْنُ الصَّغِيرِ يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا هُوَ لِضَرُورَةِ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُرَبٍّ يُرَبِّيهِ ، وَإِنَّمَا يُرَبِّيهِ أَبَوَاهُ ، فَكَانَ تَابِعًا لَهُمَا ضَرُورَةً " انتهى من "أحكام أهل الذمة" (2/1047).

قال : " فَإِذَا سُبِيَ الطِّفْلُ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ [ أي ولاية الإسلام ] ، وَانْقَطَعَتْ وِلَايَةُ الْأَبَوَيْنِ عَنْهُ ، هَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ " انتهى من "أحكام أهل الذمة" (2/924).

وقال : " وَاحْتَجَّ الْفُقَهَاءُ وَالْأَئِمَّةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ - يعني حديث : ( كل مولود يولد على الفطرة ) - وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ : أَنَّهُ إِذَا وُلِدَ عَلَى الْمِلَّةِ فَإِنَّمَا يَنْقُلُهُ عَنْهَا الْأَبَوَانِ اللَّذَانِ يُغَيِّرَانِهِ عَنِ الْفِطْرَة ِ، فَمَتَى سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ ، وَهُوَ مَوْلُودٌ عَلَى الْمِلَّةِ الْحَنِيفِيَّةِ ، فَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِالْمُقْتَضي السَّالِمِ عَنِ الْمُعَارِضِ .

وَلَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ يَجْعَلَانِهِ كَافِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ وَتَلْقِينٍ لَكَانَ الصَّبِيُّ الْمَسْبِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْبَالِغِ الْكَافِرِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَافِرَ الْبَالِغَ إِذَا سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَصِرْ مُسْلِمًا ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَافِرًا حَقِيقَةً ، فَلَوْ كَانَ الصَّبِيُّ التَّابِعُ لِأَبَوَيْهِ كَافِرًا حَقِيقَةً لَمْ يَنْتَقِلْ عَنِ الْكُفْرِ بِالسِّبَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ فِي الدُّنْيَا تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ ، لَا لِأَنَّهُ صَارَ كَافِرًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ " انتهى من "أحكام أهل الذمة" (2/1047).

وقال أيضا :

" قال شيخنا - يعني ابن تيمية - : " والإجماع والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على القول الذي رجحناه ، وهو أنهم على الفطرة ، ثم صاروا إلى ما سبق في علم الله فيهم من سعادة وشقاوة " انتهى من "شفاء العليل" (ص 292).

وقد عرضنا هذه المسألة على شيخنا عبد الرحمن البراك حفظه الله تعالى ، فقال : " أطفال المشركين كفار حكماً لا حقيقةً ، ومعنى الكفر الحكمي : أنهم يتبعون آبائهم في أحكام الدنيا" انتهى .

ثالثاً :

من فقه المسلم انشغاله بأمر نفسه ، وما يهمه من أمر دينه ، وعدم انشغاله بمسائل الخلاف التي لا ينفعه الانشغال بها ، ولا يضره ترك الانشغال بها .

ومسألة أطفال المشركين مما ينبغي على عموم المسلمين ألا يستكثروا من السؤال عنها ، وقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : " لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قِوَامًا أَوْ مُقَارِبًا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا فِي الْوِلْدَانِ وَالْقَدَرِ " ، رواه عبد الله بن أحمد في "كتاب السنة" (2/401).

قال ابن حبان في صحيحه (6724): " الْوِلْدَانُ: أراد به أطفال المشركين " .

والله أعلم .

الباب: العقيدة·العقيدة

سؤال رقم ١٥٬٨٩٢

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب العقيدة ‹