العقيدة · معاملات

هل يسقط وجود جائع واحد في المسلمين حق الملكية الفردية ؟

سؤال وجواب رقم ١٥٬٩٧٢

السؤال

( أيما أهل عرصة - منطقة أو حي سكن - أصبح فيهم امرؤ جائعاً ، فقد برئت منهم ذمة الله ورسوله )

ثم هذا الحديث الخطير في مدلوله :

( إذا بات المؤمن جائعاً فلا مال لأحد )

ويعلق الدكتور علي البارودي على هذا الحديث في كتابه " دروس في الاشتراكية العربية " بقوله :

" إنه ما دام في المجتمع جائع واحد أو عارٍ واحد فإن حق الملكية لأي فرد من أفراد هذا المجتمع لا يمكن أن يكون شرعياً ، ولا يجب احترامه ، ولا تجوز حمايته ، ومعنى ذلك أن هذا الجائع يسقط شرعية حقوق الملكية إلى أن يشبع ".

وقد حدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أصاب بعض المسلمين عطش شديد ، فمروا على بئر ، ولكن أصحابه رفضوا أن يشربوا منه ، فلما وفدوا على عمر بالأمر فقال : هلا وضعتم فيهم السلاح .

ومشهور بيننا قول الصحابي أبو ذر الغفاري : عجبت لمسلم لا يجد قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه !

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

حق الملكية الفردية من أركان قواعد الاقتصاد الإسلامي ، امتاز به عن النظام الاشتراكي الذي خالف الفطرة والعقل والشرع حين ألغى هذا الحق ، وامتاز به أيضاً عن النظام الرأسمالي حين أطلق العنان للحرية الفردية حتى أصبحت غولاً يأكل الأخضر واليابس .

وقد حاول بعض الناس في القديم والحديث التنظير للاشتراكية من خلال نصوص الشريعة ، والتأصيل لمبادئها من خلال بعض الأحاديث والآثار التي أساؤوا فهمها .

والعلة التي أصابت هذا المنهج في التفكير فلبَّست عليه فهمَ حقيقة النظام الاقتصادي الإسلامي: هي إخراج النصوص عن سياقها وإطارها المقيد ، ونقلها إلى الإطار العام والتقعيد المطلق المناقض لقواعد الاقتصاد الإسلامي .

فمثلاً :

الحديث الوارد في السؤال ، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى ) رواه أحمد في " المسند " (8/482) .

أولاً :

هذا الحديث ضعيف ، فقد قال أبو حاتم في " العلل " (2/238): منكر . وكذا قال الشيخ الألباني في " ضعيف الترغيب " (1/275)، وقال محققو المسند بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط : " إسناده ضعيف لجهالة أبي بشر " انتهى . وينظر : المسند (8/486) – ط الرسالة ـ .

ثانياً :

غاية ما في الحديث الحث على إطعام الجائع والإحسان إلى الفقير ، وليس فيه من قريب ولا من بعيد إلغاء حق الملكية الفردية إلغاء تاماً ، كما هي النظرة الاشتراكية ، وكما فهم بعض الناس خطأ وأشكل عليهم الأمر .

ومثله الآثار التي ذُكرت في السؤال ، يرويها الحنفية ، ومنهم أبو يوسف القاضي في كتاب "الآثار" (رقم/899) عن أبي حنيفة النعمان رحمه الله ، عن الهيثم : أن قوماً مروا بماء ، فسألوا أهلها : أين البئر ؟ فأبوا أن يدلوهم ، وأبوا أن يعطوهم الدلو . فقالوا : ويحكم ، إن أعناقنا وأعناق ركابنا قد كادت تقطع عطشاً ، فأبوا أن يعطوهم أو يدلوهم ، فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : ألا وضعتم فيهم السلاح .

فهي – رغم أنها مرسلة منقطعة – إنما جاءت تبين حكما مخصوصاً في حالة مقيدة ، فيما إذا اضطر المسلم ، فلم يجد طعاماً ولا شراباً وأشرف على الهلاك ، فله حينئذ – وحينئذ فقط – أن يأكل من أموال المسلمين القادرين ولو بغير رضاهم ، ولو اضطره الأمر إلى مقاتلتهم على سد ضرورته بالسلاح ، أما أن يُستدل بهذا الأثر على إلغاء حق الملكية مطلقاً فهذا أيضاً فهم خاطئ للنصوص .

وأما حديث : ( إذا بات المؤمن جائعاً فلا مال لأحد ) فليس هو بحديث أصلاً ، ولا وجود له في كتب السنة والآثار .

ونحن نعلم أن بعض الناس يورد الكلام الوارد في السؤال على محمل حسن ، وليس دعوة منه إلى الاشتراكية الكاملة .

جاء في " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " رحمه الله (7/394) :

" إنكار النظام الاشتراكي في العراق : برقية :

فخامة رئيس الجمهورية أخذ الله بيده إلى الحق :

إن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة تستنكر ما أصدرته الحكومة العراقية من القرارات الاشتراكية , وتضم صوتها إلى صوت علماء العراق وغيرهم من العلماء في إنكار النظام الاشتراكي , وتؤكد بأنه نظام كفري يصادم نظام الإسلام ويناقضه , وتنصح حكومة العراق بالرجوع إلى نظام الإسلام وتطبيقه في البلاد , لكونه أعدل نظام وأصلح تشريع عرفته البشرية , وهو كفيل بتحقيق العدالة الاجتماعية السليمة ، وحل للمشاكل الاقتصادية وغيرها , وإيصال حق الفقير إليه على خير وجه إذا أخلص المسلمون في تطبيقه . والإسلام يحرم على المسلم دم أخيه وماله وعرضه ، ويعطيه حرية التصرف الكامل في ماله في ظل الحكم الشرعي , وتصرح تعاليمه بأن ما يزعمه بعض الناس من أن النظام الاشتراكي مستمد من روح الإسلام زعم باطل ، لا يستند لأي أساس من الصحة " انتهى.

ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب " حكم الإسلام في الاشتراكية " للشيخ عبد العزيز البدري رحمه الله .

والله أعلم

الباب: العقيدة·معاملات

سؤال رقم ١٥٬٩٧٢

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب معاملات ‹