العقيدة · الجنة والنار

ماذا لو اختار أحدهم أن يبقى عازباً في الدارين ؟

سؤال وجواب رقم ١٨٬٥٠٣

السؤال

ماذا لو اختار أحدهم أن يبقى عازباً في الدارين ، فهل هذا جائز؟ ألم يقل الله أن في الجنة ما تشتهيه الأنفس ، فماذا إذن لو اشتهى أحدهم أن يبقى عازباً ؟ وكيف سنوفق ذلك مع قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يبقى في الجنة عازب ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

هذا الإشكال هو نظري فقط ، ولا وجود له في واقع يوم القيامة ؛ لأن الوحي أخبرنا أنه لا أعزب في الجنة .

عن أَبي هُرَيْرَةَ: قال أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ ) رواه مسلم (2834) .

والزواج من متاع أهل الجنة ، وأهل الجنة لا يكون لهم من المتاع إلا ما تشتهيه أنفسهم ، لا ما تكرهه ولا تريده .

قال الله تعالى : ( وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ) فصلت /31 .

وقال الله تعالى : ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) الزخرف /71 .

فيتضح من هذا ؛ أنهم مادام سيمتعون كلهم بالزواج ، فإنه ستشتهيه أنفسهم حتما ، وأنه لن يرفض الزواج أحد من أهل الجنة .

ثانيا :

الإنسان في هذه الدنيا قد لا يرغب في الزوجة لأحد الأسباب التالية -وكلها منتفية في الآخرة-

الحالة الأولى :

ألا يعطى الرغبة في النساء لكن يكون عنده من الهموم والمشاغل الدينية أو الدنيوية ما يضعف نفسه ، ويتغلب على رغبته في النساء فيشغله عنهن ، وهذا الأمر ليس موجودا في الجنة ؛ لأن الجنة لا همّ ولا نصب ولا تكليف فيها كما هو معلوم .

قال الله تعالى : ( لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) الحجر/48 .

الحالة الثانية :

أن يكون الشخص يعاني من علة نفسية أو جسدية تزيل منه هذه الرغبة والميل للنساء ، وأهل الجنة لا يعانون من الأمراض والعلل ، بل يعطون قوة على النساء تفوق قوة أهل الدنيا .

عن زَيْد بْن أَرْقَمَ، أنه قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ ) " رواه أحمد (32 / 65) و (32 / 19) وصححه محققو المسند، وصححه الألباني في " صحيح الجامع الصغير " (1 / 335).

الحالة الثالثة :

أن يعتقد الشخص أن الزواج نقص والتبتل كمال ؛ كما هو حال بعض من يدعي التصوف والزهد ، فلهذا ينصرف عن الزواج ولا يريده .

وهذا جهل وقصور في العلم ينزه عنه أهل الجنة ؛ لأن الحق هو أن الرغبة والميل للنساء والقوة في ذلك هو من الكمال البشري الممدوح ؛ ولهذا كان الأنبياء وهم صفوة الخلق يتزوجون .

قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ) الرعد/38 .

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى :

" وإن أكثر من النكاح والسراري ، كان ممدوحًا لا مذمومًا ؛ فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم زوجات وسراري ...

فإن طلب التزوج للأولاد ، فهو الغاية في التعبد ، وإن أراد التلذذ ، فمباح ، يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى ، من إعفاف نفسه والمرأة . إلى غير ذلك .

وقد أنفق موسى عليه السلام من عمره الشريف عشر سنين في مهر ابنة شعيب ؛ فلولا أن النكاح من أفضل الأشياء ، لما ذهب كثير من زمان الأنبياء فيه ... " .

انتهى من " صيد الخاطر " (ص 64 – 65) .

والرغبة عن الزواج والزهد فيه مع القدرة عليه هو أمر باطل مخالف للشرع .

عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أنه قال: " جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ : )أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) رواه البخاري (5063) ، ومسلم (1401) .

الباب: العقيدة·الجنة والنار

سؤال رقم ١٨٬٥٠٣

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الجنة والنار ‹