العقيدة

هل رفع الله السماء بغير عَمَد أم هناك عَمَد تحملها ؟

سؤال وجواب رقم ٢٬٤٠٨

السؤال

لسؤال:

هل للسماء عمد ؟ والدليل ؟

لماذا قال الله تعالى ( خلق السماوات بغير عمد ترونها ... ) لماذا ( ترونها ) ؟!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

قال الله تعالى : ( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) الرعد/:2 ، وقال تعالى: ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) لقمان/ 10.

قال ابن كثير - رحمه الله - : " قَوْلُهُ : بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ : أَنَّهُمْ : قَالُوا : لَهَا عَمَد وَلَكِنْ لَا تُرَى ، وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ ، يَعْنِي بِلَا عَمَدٍ ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالسِّيَاقِ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ ) الْحَجِّ/ 65 ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ : تَرَوْنَهَا تَأْكِيدًا لِنَفْي ذَلِكَ ، أَيْ: هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِغَيْرِ عَمْدٍ كَمَا تَرَوْنَهَا ، هَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي الْقُدْرَةِ " انتهى. "تفسير ابن كثير" (4/429).

وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :

" قوله تعالى: ( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ) ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضاً في أول "سورة لقمان": ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) لقمان /10 .

واختلف العلماء في قوله: ( تَرَوْنَهَا ) على قولين :

أحدهما : أن لها عمداً ولكننا لا نراها ، كما يشير إليه ظاهر الآية ، وممن روى عنه هذا القول ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وغير واحد، كما قاله ابن كثير.

وروي عن قتادة أيضاً : أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد أصلاً ، وهو قول إياس بن معاوية ، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في "سورة الحج"، أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: ( وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) الحج/65 .

قال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: ( تَرَوْنَهَا ) تأكيداً لنفي ذلك ، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك ، وهذا هو الأكمل في القدرة اهـ.

قال مقيده عفا الله عنه : الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة [ أي: القضية السالبة في علوم المنطق ] ؛لا تقتضي وجود الموضوع ، والمراد : أن المقصود نفى اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به ، وذلك صادق بصورتين :

الأولى: أن يكون المحكوم عليه موجوداً ، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه.

الثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود ، فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الوجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية ، كما أوضحناه في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"، ومثاله في اللغة قول امرىء القيس:

عَلى لاحِبٍ لا يَهتَدي بِمَنارِهِ إِذا سافَهُ العَودُ النُباطِيُّ جَرجَرا

أي: لا منار له أصلاً حتى يهتدي به .

وقوله:

لا تُفزِعُ الأَرنَبَ أَهوالُها وَلا تَرى الضَبَّ بِها يَنجَحِر

يعني: لا أرانب فيها ولا ضباب .

وعلى هذا فقوله ( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) : أي لا عمد لها حتى تروها . " .

انتهى من "أضواء البيان" (3/67) .

وقال الشيخ السعدي- رحمه الله - : " أي: ليس لها عمد من تحتها ، فإنه لو كان لها عمد، لرأيتموها " انتهى من "تيسير الكريم الرحمن" ( ص :412).

وقال الشيخ ابن عاشور رحمه الله :

" وَجُمْلَةُ تَرَوْنَها فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ السَّماواتِ ، أَيْ لَا شُبْهَةَ فِي كَوْنِهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ " انتهى من "التحرير والتنوير" (13/80) .

والحاصل :

أن أهل العلم اختلفوا في توجيه الآية على قولين :

الأول : أن لها عمدا ، لكن لا يراها الناس ، وهذا من آيات العظمة ، ودلائل القدرة : أن يكون لهذا الخلق العظيم ، عمدا ترفعه ، ثم لا يراها الناس .

والقول الثاني : أنها لا عمد لها أصلا ؛ فلو كان لها عمد لرآها الناس ، وإنما رفعها ، وأمسكها عن السقوط بقدرته جل جلاله .

والتعبير بما جاء في الآية جار على سنن العربية ، ومقاصدها البلاغية ، وهو معروف له نظائر في لغة العرب .

وهذا هو أظهر القولين في الآية ، إن شاء الله .

والله أعلم .

الباب: العقيدة

سؤال رقم ٢٬٤٠٨

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء