العقيدة · عذاب القبر ونعيمه

هل حوسب بعض الناس وأدخلوا الجنة أو النار ؟

سؤال وجواب رقم ٢٦٬٣٨٠

السؤال

متى يبدأ الحساب ، أهو عند نزول القبر أم يوم القيامة ، وقد علمنا أن هناك بعض الأشخاص دخلوا الجنة أمثال ماشطة بنات فرعون وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ، وأن هناك بعض الأشخاص دخلوا النار ، فكيف يكون ذلك ونحن نعلم أن أول من يدخل الجنة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الحساب بعد الموت حق ، وأن الجزاء يكون بعد الحساب ، قال تعالى : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الحجر/92-93 ، وقال سبحانه : ( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف/6

ثم إن هذا الحساب يكون على مرحلتين :

المرحلة الأولى : فى القبر بعد الموت : وذلك حين يأتيه الملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه ، كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة ، وهي فتنة القبر التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ منها .

عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُم تُفتَنُونَ فِي القُبُورِ ) رواه البخاري (1049) ومسلم (584)

يقول ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (1/165) :

" أصل الفتنة الاختبار والامتحان " انتهى .

ونقل المناوي في "فيض القدير" (6/234) عن بعض أهل العلم قولهم :

" يحاسب المؤمن في القبر ليكون أهون عليه في الموقف ، فيمحص في البرزخ ، فيخرج وقد اقتص منه " انتهى .

ويكون بعد هذا الحساب جزاء أيضا ، فمن فاز أتاه من النعيم والسرور في قبره ، ومن خسر أصابه من العذاب والشقاء .

وكل ذلك في القبر أو في حياة البرزخ ، أما الجنة والنار فلا يدخلها أحد دخولا تاما إلا بعد المرحلة الثانية من الحساب ، وهي حساب الآخرة .

ولكن قد تدخل بعض الأرواح الجنة ، فيصيبها بعض نعيمها ، كرامة منه سبحانه وتعالى .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم :

( إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ )

رواه مالك في الموطأ (1/240) وصححه ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/614)

نسمة المؤمن : روحه . يعلق : أي يأكل ويرعى .

يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه "حادي الأرواح" (48) :

" وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة " انتهى .

كما قد تُعرض بعض الأرواح على النار ، فيصيبها من حرها وعذابها .

يقول سبحانه وتعالى :

( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) غافر/46

ومن تجاوز حساب القبر هان عليه حساب الآخرة .

عن هَانِئ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ : كَانَ عُثْمَانُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ ، فَقِيلَ لَهُ : تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي ، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا ! فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ )

رواه الترمذي (2308) وحسنه ، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي .

المرحلة الثانية من الحساب : بعد البعث في الآخرة ، وهو الحساب العظيم الذي يميز فيه بين أهل الجنة وأهل النار ، ويتقاص العباد فيه المظالم بينهم ، وسمي ذلك اليوم بيوم الحساب .

يقول سبحانه وتعالى :

( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ) ص/53

وقال سبحانه :

( وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) غافر/27

ولا يدخل أحد الجنة أو النار إلا بعد هذا الحساب ، فمن الناس من يحاسب حسابا يسيرا ، ومنهم من يحاسب حسابا عسيرا ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من يدخل الجنة الدخول الحقيقي التام في الآخرة .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

( آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَقُولُ : مُحَمَّدٌ . فَيَقُولُ : بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ ) رواه مسلم (197)

ثانيا :

أما ما جاء من الأحاديث التي يذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى أحدا في الجنة أو في النار ، فهي على أحد وجهين :

1- إما أنها في رؤيا المنام : كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ : ( يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ )

يقول الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (3/35) :

" قال الكرماني : ظاهر الحديث أن السماع المذكور وقع في النوم ؛ لأن الجنة لا يدخلها أحد إلا بعد الموت . ويؤيد كونه وقع في المنام ما سيأتي في أول مناقب عمر من حديث جابر مرفوعا : ( رأيتني دخلت الجنة فسمعت خشفة ، فقيل هذا بلال ، ورأيت قصرا بفنائه جاريه فقيل هذا لعمر ) الحديث وبعده من حديث أبي هريرة مرفوعا : ( بينا أنا نائم رأيتني في الجنة ، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر ، فقيل : هذا لعمر ) الحديث فعرف أن ذلك وقع في المنام ، وثبتت الفضيلة بذلك لبلال ؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي ، ولذلك جزم النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك " انتهى .

2- يكشف الله للنبي صلى الله عليه وسلم ما سيكون في الأخرة حتى يراه رأي عيان أو رأي قلب ، ومنه ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من أمور في الجنة وفي النار .

يقول الحافظ النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (6/207) :

" قال القاضي عياض : قال العلماء : تحتمل أنه رآهما رؤية عين ، كشف الله تعالى عنهما ، وأزال الحجب بينه وبينهما ، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه .

قالوا : ويحتمل أن يكون رؤية علم وعرض وحي ، باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلا ما لم يعرفه قبل ذلك .

قال القاضي : والتأويل الأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث ، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين كتناوله صلى الله عليه وسلم العنقود ، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار " انتهى .

انظر جواب السؤال رقم (4003) ، (5643) ، (12478) ، (14526)

والله أعلم .

الباب: العقيدة·عذاب القبر ونعيمه

سؤال رقم ٢٦٬٣٨٠

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب عذاب القبر ونعيمه ‹