العقيدة · الإيمان بالقضاء والقدر

خرافات من العوام فيها تشاؤم بحصول مكروه

سؤال وجواب رقم ٢٧٬٩٨٨

السؤال

أريد أن أسأل عن حكم الإيمان بالمعتقدات التي يؤمن بها بعض الناس ، كأن يلعبوا بالماء ، أو أن يرشوا بعضهم بالماء ، فيعتقدون أنه يسبب بذلك الفراق لهم ، أو أن يعتقدوا عند العبث بالمقص كفتحه وإغلاقه بدون سبب ، أنه يسبب حدوث مشاكل في البيت لدى العائلة ، أو الإيمان عندما تعبر فوق طفل صغير بأنه لن يطول ويؤثر عليه . فما حكم هذه المعتقدات ؟ .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

هذه الخرافات – وأمثالها كثير – هي من باب الشؤم المنهي عنه في الشرع المطهَّر ، وخرافات الناس في هذا الباب لا حصر لها ، فمنهم من يتشاءم بمرئي – كرؤية البومة والقط الأسود - ، ومنهم من يتشاءم بمسموع – كسماع صوت البومة والغراب - ، وحتى لو كان المرئي أو المسموع آية من كتاب الله تُرى في المصحف ، أو تُسمع من قارئ ! كآية وعيد أو عقاب ، ومنهم من يتشاءم بعدد – كالتشاؤم من رقم 13 - ، أو زمان – كالتشاؤم من يوم الأربعاء ، أو من شهر شوال إذا أراد الزواج فيه - ، أو مكان – كالتشاؤم من مكان حصل فيه جريمة - ، أو صفة شخص – كالتشاؤم من الأعرج والأعمى - ، أو حال إنسان – كالتشاؤم من رؤية فقير أو محتاج - .

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال : ( لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ ، قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ ؟ قَالَ : كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ ). رواه البخاري (5776) ومسلم (2224) .

عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الطيَرَةُ شِرْك ) .

رواه الترمذي ( 1614 ) وأبو داود ( 3910 ) وابن ماجه ( 3538 ) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

وقوله : ( الطِّيَرَة ) على وزن فِعَلَة ، وهي اسم مصدر تطيَّر ، والمصدر منه : تطيُّر ، وهي التشاؤم بمرئي ، أو مسموع ، وقيل : التشاؤم بمعلوم مرئيّاً كان ، أو مسموعاً ، زماناً كان أو مكاناً ، وهذا أشمل ؛ فيشمل ما لا يُرى ، ولا يُسمع ؛ كالتطير بالزمان .

وأصل التطيُّر : التشاؤم ، لكن أضيفت إلى الطير ؛ لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير ، فعلقت به ، وإلا فإن تعريفها العام : التشاؤم بمرئي ، أو مسموع ، أو معلوم .

وكان العرب يتشاءمون بالطير ، وبالزمان ، وبالأشخاص ، وهذا من الشرك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .

والإنسان إذا فَتَحَ على نفسه باب التشاؤم : ضاقت عليه الدنيا ، وصار يتخيل كل شيء أنه شؤم ، حتى إنه يوجد أناس إذا أصبح وخرج من بيته ثم قابله رجل ليس له إلا عين واحدة : تشاءم ، وقال : اليوم يوم سوء ، وأغلق دكانه ، ولم يبع ، ولم يشتر - والعياذ بالله - ، وكان بعضهم يتشاءم بيوم الأربعاء ، ويقول : إنه يوم نحس وشؤم ، ومنهم من يتشاءم بشهر شوال ، ولا سيما في النكاح ، وقد نقضت عائشة رضي الله عنها هذا التشاؤم ، بأنه صلى الله عليه وسلم عقد عليها في شوال ، وبنى بها في شوال ؛ فكانت تقول: " أيكن كان أحظى عنده مني ؟ " – رواهمسلم - ، والجواب : لا أحد .

فالمهم : أن التشاؤم ينبغي للإنسان أن لا يطرأ له على بال ؛ لأنه ينكد عليه عيشه ؛ فالواجب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان يعجبه الفأل – رواه البخاري ومسلم - ، فينبغي للإنسان أن يتفاءل بالخير ، ولا يتشاءم ، كذلك بعض الناس إذا حاول الأمر مرة بعد أخرى تشاءم بأنه لن ينجح فيه فيتركه ، وهذا خطأ ؛ فكل شيء ترى فيه المصلحة : فلا تتقاعس عنه في أول محاولة ، وحاول مرة بعد أخرى ، حتى يفتح الله عليك .

" القول المفيد شرح كتاب التوحيد " ( 2 / 39 – 41 ) ، و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " ( 9 / 515 ، 516 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

وذكر البيهقي في " الشعب " عن الحليمي ما ملخصه :

كان التطير في الجاهلية في العرب : إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة ... .

وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب ، وبمرور الظباء ، فسموا الكل تطيُّراً ؛ لأن أصله الأول .

قال :

وكان التشاؤم في العجم : إذا رأى الصبي ذاهباً إلى المعلم : تشاءم ، أو راجعاً : تيمَّن ، وكذا إذا رأى الجمل موقراً حملاً : تشاءم ، فإن رآه واضعاً حمله : تيمَّن ، ونحو ذلك .

فجاء الشرع برفع ذلك كله .

" فتح الباري " ( 10 / 215 ) .

ولم يُذكر التطير في القرآن الكريم إلا عن أعداء الرسل ، وهو يدل على أن فاعله ومعتقده فيه من جاهلية هؤلاء ، بقدر ما عنده في هذا الباب .

قال ابن القيم - رحمه الله - :

ولم يحك الله التطير إلا عن أعداء الرسل ، كما قالوا لرسلهم ( إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) يس/18،19 ، وكذلك حكى الله سبحانه عن قوم فرعون ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ ) الأعراف/131 .

" مفتاح دار السعادة " ( 3 / 231 ، 232 ) .

وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – عن أهل الجاهلية - :

وكان أكثرهم يتطيرون ، ويعتمدون على ذلك ، ويصح معهم غالباً ، لتزيين الشيطان ذلك ، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين .

" فتح الباري " ( 10 / 213 ) .

وقد نبَّه العلماء – أيضاً – على بعض الخرافات المنتشرة بين الناس مما يتشاءمون به في حدوث قطيعة أو فساد أو طلاق .

سئل علماء اللجنة الدائمة :

قد حصل مني عند عقد الزواج فرقعة إصبع ، وأنا جاهل في أن فرقعة الأصابع وتشبيك الأصابع يضعن تعقيداً للزواج ، وبعد أن علمتُ خجلتُ أن أسأل ، وأنا لي ثلاثة أطفال ، ومدة زواجي سبع سنوات ، فماذا أفعل ؟ هل أعقد عقداً جديداً أو ماذا أفعل ؟ .

فأجابوا :

إذا كان الواقع كما ذكرتَ : فلا تأثير لما ذكرتَ من تشبيك الأصابع ، وفرقعتها حين إجراء عقد النكاح ، فلا أثر لذلك على العقد ، بل هو صحيح ، ولا تحتاج إلى إعادته ، واترك التشاؤم مما ذكرتَ ومن غيره ؛ لأنه مناف للإسلام .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي ، الشيخ عبد الله بن غديان .

" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 18 / 114 ) .

وكل ما جاء في السؤال فهو من الباب نفسه الذي أدخل الشيطان منه كثيراً من الناس ، فجعلهم يتشاءمون من أشياء لا تأثير لها على واقعهم ، فلا يزال المسلمون يسبحون ويرشون بعضهم بعضاً بالماء ، ويلعب الأطفال في برك السباحة ، ولا يُعلم تأثير ذلك عليهم سلباً ، ومثله يقال في خرافة فتح وإغلاق المقص ، والعبور فوق الطفل ، وقص الأظافر ليلاً ، وكنس البيت بالليل ، والامتناع عن الغسيل يوم الاثنين ، وغير ذلك مما لا حصر له من خرافاتهم وأوهامهم التي تخوفهم مما لا يُخاف منه ، وتُبعدهم عن العمل والتفاؤل ، وتنقض توكلهم على ربهم تعالى .

قال ابن القيم - رحمه الله - :

التطير هو التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع ، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره ، وامتنع بها مما عزم عليه : فقد قرع باب الشرك ، بل ولجه ، وبرئ من التوكل على الله ، وفتح على نفسه باب الخوف ، والتعلق بغير الله ، والتطير مما يراه ، أو يسمعه ، وذلك قاطع له عن مقام ( إياك نعبد وإياك نستعين ) و ( فاعبده وتوكل عليه ) و ( عليه توكلت وإليه أنيب ) ، فيصير قلبه متعلقا بغير الله ، عبادة ، وتوكلا ، فيفسد عليه قلبه ، وإيمانه ، وحاله ، ويبقى هدفاً لسهام الطيرة ، ويساق إليه من كل أوب ، ويقيض له الشيطان من ذلك ما يفسد عليه دينه ، ودنياه ، وكم هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة ، فأين هذا من الفأل الصالح ، السار للقلوب ، المؤيد للآمال ، الفاتح باب الرجاء ، المسكن للخوف ، الرابط للجأش ، الباعث على الاستعانة بالله ، والتوكل عليه ، والاستبشار ، المقوي لأمله ، السار لنفسه ؟ ، فهذا ضد الطيرة ، فالفأل : يفضي بصاحبه إلى الطاعة ، والتوحيد ، والطيرة تفضي بصاحبها إلى المعصية ، والشرك ، فلهذا استحب صلى الله عليه و سلم الفأل ، وأبطل الطيرة .

" مفتاح دار السعادة " ( 2 / 246 ، 247 ) .

ثانياً:

ولعلاج هذا التشاؤم الذي يوسوس به الشيطان ويزينه لأصحابه :

1. التوكل على الله حق التوكل .

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ) وما مِنَّا إلا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ .

رواه الترمذي ( 1614 ) وأبو داود ( 3910 ) وابن ماجه (3538 ) ، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .

قال ابن عبد البر - رحمه الله - :

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ( نهى عن التطير ) ، وقال ( لا طِيَرة ) ؛ وذلك أنهم كانوا في الجاهلية يتطيرون ، فنهاهم عن ذلك ، وأمرهم بالتوكل على الله ؛ لأنه لا شيء في حكمه إلا ما شاء ، ولا يعلم الغيب غيره .

" التمهيد " ( 24 / 195 ) .

2. أن يمضي في حاجته ، ولا يتأخر ، ولا يرجع .

3. أن يدعو الله تعالى بأن يخلِّصه من كيد الشيطان بها ، ويسأله تعالى الخير ، ويستعيذ به من الشر .

عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو رضي الله عنهما قال : قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( مَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ من حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ ) قالوا : يا رَسُولَ اللَّهِ ما كَفَّارَةُ ذلك ؟ قال ( أن يَقُولَ أَحَدُهُمْ : اللهم لاَ خَيْرَ إلا خَيْرُكَ وَلاَ طَيْرَ إلا طَيْرُكَ وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ ) .

رواه أحمد ( 7045 ) وصححه الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 3 / 53 تحت الحديث 1056 ) .

قال المنَّاوي – رحمه الله - :

فينبغي لمن طرقته الطيرة أن يسأل الله تعالى الخير ، ويستعيذ به من الشر ، ويمضي في حاجته متوكلا عليه .

" فيض القدير " ( 6 / 136 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

وقوله : ( فلا خير إلا خيرك ) : هذا الحصر حقيقي ، فالخير كله من الله ، سواء كان بسبب معلوم ، أو بغيره .

وقوله : ( لا طير إلا طيرك ) : أي : الطيور كلها ملكك ؛ فهي لا تفعل شيئاً ، وإنما هي مسخرة ، قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) الملك/19 ، وقال تعالى : ( أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) النحل/79 ، فالمهم : أن الطير مسخرة بإذن الله ؛ فالله تعالى هو الذي يدبرها ، ويصرفها ، ويسخرها ، تذهب يميناً وشمالاً ، ولا علاقة لها بالحوادث .

ويحتمل أن المراد بالطير هنا : ما يتشاءم به الإنسان ، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة : فإنه مِن الله ، كما أن الخير من الله ؛ كما قال تعالى : ( ألا إنما طائرهم عند الله ) الأعراف/131 .

لكن سبق لنا أن الشر في فعل الله ليس بواقع ، بل الشر في المفعول ، لا في الفعل ، بل فعله تعالى كله خير ، إما خير لذاته ، وإما لما يترتب عليه من المصالح العظيمة ، التي تجعله خيراً .

فيكون قوله : ( لا طير إلا طيرك ) مقابلا لقوله : ( ولا خير إلا خيرك ) .

" القول المفيد شرح كتاب التوحيد " ( 2 / 117 ، 118 ) ، و " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " ( 9 / 578 ) .

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :

فالحاصل؛ أن الطيرة تعالج بهذه الأمور الثلاثة :

أولا : التوكل على الله .

ثانيا : المضي وعدم التأثر بها ، ولا تظهر على تصرفاتك ، وما كأنها وجدت .

والثالثة : أن تدعو بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث ، فإذا دعوت الله بهذه الدعوات : فإن الله يعافيك من الطيرة ، ويمدك بإعانته ، ونصره ، وتوفيقه .

" إعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد " ( 2 / 14 ) .

والله أعلم

الباب: العقيدة·الإيمان بالقضاء والقدر

سؤال رقم ٢٧٬٩٨٨

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الإيمان بالقضاء والقدر ‹