العلم والدعوة · صلاة الاستخارة

صلاة الاستخارة لترجيح أحد القولين

سؤال وجواب رقم ٥٬٩١١

السؤال

هل يجوز أن يستخير المسلم لترجيح أحد القولين عند العلماء ؟ مع العلم أنَّ كلا القولين قوي ، وهو يريد معرفة الصحيح منهما لأنهما مختلفين ؟ وذلك ليتبع الصحيح .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ثبت عن بعض السلف استخارتهم في مسائل العلم المختلف فيها ، كما ثبت عن بعضهم استخارتهم في ترجيح حال الرواة المختلف فيهم ، ومن ذلك :

1. روى عبد الرزاق في " المصنف " ( 10 / 301 ) عن ابن المسيب : ( أن عمر بن الخطاب كتب في الجد والكلالة كتابا ، فمكث يستخير الله يقول : اللهم إن علمت فيه خيرا فأمضه ، حتى إذا طعن دعا بالكتاب ، فمحى فلم يدر أحد ما كان فيه ، فقال : إني كتبت في الجد والكلالة كتابا ، وكنت أستخير الله فيه ، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه ) .

2. وقد كان الإمام الشافعي رحمه الله من أكثر العلماء استخارة في مسائل العلم ، حتى صرح في كتابه " الأم " في نحو أربع عشرة مسألة أنه قد استخار الله تعالى فيها ، وكان منها قوله في " الأم " ( 2 / 44 ) :

وقد قيل : في الحلي صدقة ، وهذا ما أستخير الله عز وجل فيه ، قال الربيع : قد استخار الله عز وجل فيه ، أخبرنا الشافعي : وليس في الحلي زكاة .

انتهى .

3. كما كان ابن حبان من المحدثين يستخير الله تعالى في الرواة الذين يشتبه حالهم عليه ، ويكثر من التصريح بذلك في كتبه ، خاصة كتاب " المجروحين " ، ومن ذلك قوله في ( 1 / 194 ) : بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري : من أهل البصرة ، يروي عن أبيه عن جده ، روى عنه الثوري وحماد بن سلمة ، كان يخطئ كثيراً ، فأما أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم رحمهما الله فهما يحتجان به ويرويان عنه ، وتركه جماعة من أئمتنا ، ولولا حديث ( إنا آخذوه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا ) لأدخلناه في الثقات ، وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه .

انتهى .

والأمثلة عن أهل العلم في الالتجاء إلى الاستخارة حين تشتبه عليهم المسائل كثيرة ، وإنما سقت منها الشيء اليسير للتدليل على المقصود .

لكن ما معنى قولهم " هذا مما أستخير الله فيه " و " هذا ممن أستخير الله فيه " ؟.

الظاهر أن معنى قولهم هو دعاء الله تعالى بأن يوفقهم لصحة الترجيح ، والصواب من الأقوال في المسألة أو الراوي ، وليس معناه أنهم كانوا يستخيرون الاستخارة التي هي الصلاة بدعائها ؛ وذلك لعدم تطابق الدعاء مع الذي يريدون وينشدون ، ففي دعاء الاستخارة " فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه " فكيف سيكون منطبقا على مسألة فقهية ، أو على حال أحد رواة الحديث ؟! .

فالذي يظهر أن هؤلاء الأئمة يطلبون من الله تعالى التوفيق للصواب في مسائل العلم ، لا أنهم يدعون دعاء الاستخارة بصلاتها .

والغاية من الاستخارة هو طلب الهداية من الله سبحانه وتعالى إلى خير الأمرين المشتبهين الذين وقع التردد فيهما ، فإن الهداية والتوفيق من الله سبحانه ، وهو يعلم ولا نعلم ، وهو علام الغيوب ، ومن اعتمد على نفسه ضل ، ومن اتكل على عقله ولم يستعن بمولاه هلك ، وأولى ما يجب على العبد أن يستعين الله عليه هو الفهم الصحيح لدين الله ، واختيار أنسب الأقوال وأحسنها ، والاستخارة هي وسيلته إلى ذلك ، بل قد تكون أوثق سبيل إلى اختيار أحد القولين الذين اشتبهت أدلتهما إلى حد كبير .

ولا يمنع أن يكون مع دعاء الإمام أو الفقيه ربه تعالى أن يوفقه للصواب في مسائل العلم أن يُسبق دعاءه بصلاة ، ويمكن تسمية هذا الفعل تجوزاً " استخارة " ، أو يكون ذلك نسبة للدعاء لا للصلاة ، أما الصلاة والدعاء الوارد في حديث جابر المشهور فلا يمكن أن يكون هو المقصود في قولهم أنهم يستخيرون الله تعالى في كذا وكذا .

وأخيراً :

لا يظن أن الاستخارة في مسائل العلم تناقض ما أمر الله به من اتباع الدليل والبرهان ، فإن اللجوء إلى الاستخارة يكون عند انعدام الدليل أو عدم ظهوره أو وجود معارض مساو ، أو عند اشتباه المسألة في نفس العالم وإشكالها في الفهم عليه ، وليس في شيء من ذلك ترك للدليل والبرهان ، بل فيه استعانة بالله سبحانه على الفهم ، ولجوء إليه ليرشد إلى الحق ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يهديه إلى الحق .

عن عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قالت : ( كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ : اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .

رواه مسلم ( 770 ) .

وانظر في صلاة الاستخارة وبعض أحكامها جواب السؤالين : (2217 ) و (11981 ) .

والله أعلم

الباب: العلم والدعوة·صلاة الاستخارة

سؤال رقم ٥٬٩١١

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء