العلم والدعوة · الدعوة

الجمع بين قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) وبين ما يجده الكفار من السعادة

سؤال وجواب رقم ٧٬٩١٠

السؤال

قال تعالى :( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) .

أوليس الكافرين أو بالأخص المسيحيين , يظنون أنهم علي دين الحق , ولا يؤمنوا بالقرآن, و لكنهم يعيشون فى طمأنينة ، ويقين من أمرهم , مع أنهم أعرضوا عن ذكر الله والمقصود به القرآن , كما قرأت باعتقادهم ويقينهم بإلاههم ، أرجوا توضيح الامر لي فما موقف المسيحيين من الاية .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

كلام الله تعالى حقٌّ وصدقٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ كما قال تعالى: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا )النساء/ 87 ، وقال: ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ) النساء/ 122، وقال سبحانه : ( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الأنعام/ 115.

وقد حكمَ الله سبحانه وتعالى بالمعيشة الضَّنك على مَن أعرضَ عن ذِكْرِه وخالفَ أمرَه واهتدى بغير هُداه ؛ فقال سبحانه : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله : " ( فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) أي: في الدنيا؛ فلا طمأنينة له ، ولا انشراح لصدره ؛ بل صدره ضيِّق حَرَج لضلاله ، وإن تنعَّم ظاهرُه ، ولَبِسَ ما شاء وأكلَ ما شاء ، وسكنَ حيث شاء ؛ فإنَّ قلبه ما لم يَخْلُص إلى اليقين والهُدى فهو في قلق وحيرة وشَكّ ، فلا يزال في ريبه يتردَّد ، فهذا من ضَنَك المعيشة " انتهى من " تفسير ابن كثير " (5/323).

وفسَّر بعضُ المفسِّرين المعيشة الضَّنْك بعذاب القبر ؛ كما رُويَ ذلك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ؛ فقال: " يُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ " انتهى من " تفسير الطبري " (16/196) ، ورُوي نحوه عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا كما في " تفسير الطبري " (16/197)، وعن السُّدِّي وغيرهم .

ولعلَّ الأقرب في معنى الآية ما رجَّحَهُ بعضُ المفسِّرين من أنَّ " المعيشة الضنك عامَّة في دار الدنيا، بما يصيب المُعْرِض عن ذِكْرِ رَبِّه من الهموم والغموم والآلام ، التي هي عذاب مُعَجَّل، وفي دار البرزخ وفي الدار الآخرة ؛ لإطلاق المعيشة الضَّنْك وعدم تقييدها " انتهى من " تفسير السعدي " (ص 515) .

إذا ثبتَ هذا ؛ فلا يُسَلَّم أنَّ النصارى وغيرَهم من أهل الكفر يعيشون في طمأنينة ويقين من أمرهم مع إعراضهم عن ذِكر الله ؛ بل هُم في الحقيقة وإن تنعَّموا وضَحِكوا وأكَلوا وشربوا ما شاءوا ؛ فهم في قلق وحيرة وشَكّ - كما تقدَّم في كلام ابن كثير رحمه الله - .

وهذا معلوم في الواقع لا شك فيه ، فإنك إذا نظرت إلى الدول الغربية تجد فيها من أسباب الراحة والترف والتنعم ما يفوق الوصف والخيال ، ولكنك مع كل ذلك تجد أهلها أشد الناس بؤسا وقلقا وحيرة واضطرابا !!

فهم أكثر دول العالم في الأمراض النفسية والعصبية ، وهم أكثر دول العالم في معدل الجريمة ، القتل والسرقة والاغتصاب والخمر والمخدرات ... إلخ .

حتى إن الجريمة عندهم تقاس بالثانية الواحدة ، لا باليوم ولا بالساعة ، فيقال : كم جريمة ترتكب في الثانية الواحدة ؟!

وهم أكثر دول العالم في معدلات الانتحار .

فأي أمن وطمأنينة يشعر بها هؤلاء ؟ لا شيء .

واعلم أن الكافر قد يفتح الله عليه جميع أبواب الراحة والترف في الدينا ، كما قال الله تعالى : ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) الأنعام/44.

إلا بابين اثنين فقد خصهما الله تعالى لأهل الإيمان به ، وهما : الأمن والبركة .

فالبركة يقول الله تعالى فيها : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) الأعراف/96.

وأما الأمن فيقول الله تعالى فيه : ( الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) الرعد/28 .

فلا يمكن لكافر مهما وجد من أسباب النعيم والترف والسعادة أن يعيش في أمن وطمأنينة وبركة قط ، فذلك غير ممكن ، بل هو في شقاء نفسي وقلق واضطراب يظهر أثره عندما يتجه ذلك الشخص إلى الجريمة أو الانتحار أو المصحات النفسية والعقلية .

فإذا كان يعيش في أمن وطمأنينة فلماذا كانت كل هذه الجرائم والأمراض النفسية والاكتئاب ثم الانتحار ؟!

إن هذا نتيجة الضنك الذي يعيشون فيه .

ويدلُّ على هذا الضَّنك الذي يعيشُه أهل الكفر في الدُّنيا أيضا : شهادةُ مَن أسلمَ منهم ودخلَ في هذا الدِّين العظيم ، بأنَّه كان يعيش في بؤس وشقاء وقلق وحيرة ، ويشعر الآن بسعادة وطمأنينة وراحة وحياة هادئة لا يستطيع وصفَها؛ كما قال تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/ 97 .

نسأل الله تعالى أن يُثبِّتنا على الحقِّ حتى نلقاه ، آمين .

والله أعلم .

الباب: العلم والدعوة·الدعوة

سؤال رقم ٧٬٩١٠

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الدعوة ‹