الفقه وأصوله · مواقيت الصلاة

الفرق بين مذهب الحنفية والجمهور في مواقيت الصلاة

سؤال وجواب رقم ١١٬٣٩٨

السؤال

ما الفرق بين أوقات الصلوات على المذهب الحنفي وأوقاتها العادية ، ولماذا تفصل كل المساجد التي تتبع مذهب أبي حنفية بين أذان العصر وصلاته بساعة كاملة ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الفرق بين مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الجمهور في مواقيت الصلاة يتلخص في مسألتين :

الفرق الأول : وقت بداية العصر

فقد وقع فيه الخلاف على قولين :

القول الأول :

أنه يبدأ إذا انتهى وقت الظهر ، وذلك عند مصير ظل كل شيء مثله ، سوى فيء الزوال ، وقد سبق شرح معنى مصير ظل كل شيء مثله في جواب السؤال رقم : (9940) .

وهو قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة ، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية ، بل قال السرخسي في " المبسوط" (1/141) : " وهو رواية "محمد" عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى ، وإن لم يذكره في الكتاب نصا " انتهى ، كما هو اختيار الطحاوي من الحنفية.

وأدلته عديدة صحيحة ، نذكر منها أصرحها :

الدليل الأول :

حديث إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه :

( أَنَّه صَلَّى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَصرَ حينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثلَهُ ) .

رواه أبو داود (393) والترمذي (149، 150) وقال حديث حسن صحيح ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

الدليل الثاني :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" كَانَ يُصَلِّي العَصرَ وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ حَيَّةٌ ، فَيَذهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى العَوَالِي ، فَيَأتِي العَوَالِي وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ " رواه البخاري (550) ، ومسلم (621) وفي رواية أخرى عندهما : " أنه يأتي مسجد قباء والشمس مرتفعة " إشارة إلى بقاء حرها وضوئها ، وأقرب العوالي مسافة ميلين ، وأبعدها مسافة ستة أميال " انظر " فتح الباري" (2/39) .

قال النووي رحمه الله :

" لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين وثلاثة ، والشمس بعد لم تتغير بصفرة ونحوها ، إلا إذا صلى العصر حين صار ظل الشيء مثله ، ولا يكاد يحصل هذا الا في الأيام الطويلة " انتهى من " شرح مسلم " (5/122) .

أما القول الثاني :

فيذهب إلى أن وقت العصر يبدأ عند مصير ظل كل شيء مثليه ، سوى فيء الزوال ، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وعليه معظم المتأخرين من الحنفية ، ولذلك يتأخر أذان العصر في البلاد التي تعتمد مذهب الإمام أبي حنيفة .

واستدلوا بثلاثة أدلة :

الدليل الأول :

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( إِنَّمَا بَقَاءُكُم فِيمَا سَلَفَ قَبلَكُم مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَينَ صَلاةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمسِ ، أُوتِيَ أَهلُ التَّورَاةِ التَّورَاةَ فَعَمِلُوا ، حَتّى إِذَا انتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا ، فَأُعطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، ثُمَّ أُوتِيَ أَهلُ الإِنجِيلِ الإِنجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاةِ العَصرِ ثُمَّ عَجَزُوا ، فَأُعطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، ثُمَّ أُوتِينَا القُرآنَ فَعَمِلنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمسِ ، فَأُعطِينَا قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ ، فَقَالَ أَهلُ الكِتَابَينِ : أَيْ رَبَّنَا ! أَعطَيتَ هَؤُلاءِ قِيرَاطَينِ قِيرَاطَينِ ، وَأَعطَيتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ، وَنَحنُ كُنَّا أَكثَرَ عَمَلًا ؟ ! قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : هَل ظَلَمتُكُم مِن أَجرِكُم مِن شَيْءٍ ؟ قَالُوا : لا ، قَالَ : فَهُوَ فَضلِي أُوتِيهِ مَن أَشَاءُ ) رواه البخاري (557) .

يقول الإمام الكاساني رحمه الله – وهو من كبار فقهاء الحنفية –:

" دل الحديث على أن مدة العصر أقصر من مدة الظهر ، وإنما يكون أقصر أن لو كان الأمر على ما قاله أبو حنيفة " انتهى من " بدائع الصنائع " (1/315) .

ولكن أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الاستدلال بقوله :

" المعروف عند أهل العلم بالفن أن المدة التي بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب إذا فرعنا على أن أول وقت العصر كما قال الجمهور ، ( ويجاب ) بأنه ليس في الخبر نص على أن كلا من الطائفتين أكثر عملا ، لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر عملا من المسلمين " انتهى من " فتح الباري " (2/53) وذكر أجوبة أخرى على استدلالهم بالحديث .

ويقول ابن حزم رحمه الله :

" وقت الظهر أطول من وقت العصر أبدا في كل زمان ومكان " انتهى من " المحلى " (2/222)، ثم شرح ذلك فلكيا ، لمن أحب أن يرجع إليه .

ويقول ابن القيم رحمه الله :

" ويالله العجب ! أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثلين ، بنوع من أنواع الدلالة ، وإنما يدل على أن صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر ، وهذا لا ريب فيه " انتهى من " إعلام الموقعين " (2/404) .

فلم يبق وجه للاستدلال بالحديث .

الدليل الثاني :

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( إِذَا اشتَدَّ الحَرُّ فَأَبرِدُوا بِالصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيحِ جَهَنَّمَ ) رواه البخاري (536) ، ومسلم (615).

يقول الإمام الكاساني رحمه الله :

" الإبراد يحصل بصيرورة ظل كل شيء مثليه ؛ فإن الحر لا يفتر ، خصوصا في بلادهم " انتهى من " بدائع الصنائع " (1/315) .

وأجيب عنه بأن الإبراد يحصل بقرب مصير ظل كل شيء مثله ، وهذا الذي كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن تكملة حديث أنس السابق قال فيه : ( حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ ) البخاري (629) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" ظاهره أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شيء مثله " انتهى من " فتح الباري " (2/29) ، وانظر " الشرح الممتع " (2/98) .

الدليل الثالث :

يقول الإمام السرخسي :

" ولأنا عرفنا دخول وقت الظهر بيقين ، ووقع الشك في خروجه إذا صار الظل قامة ، لاختلاف الآثار ، واليقين لا يزال بالشك " انتهى من " المبسوط " (1/141) .

وهذا الدليل يمكن الجواب عنه بأن اليقين في خروج وقت الظهر متحصل بالأدلة الصحيحة الصريحة السابقة ، وهو الذي أخذ به أهل العلم .

يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :

" ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلا عن أبي حنيفة ، قال القرطبي : خالفه الناس كلهم في ذلك ، حتى أصحابه ، يعني الآخذين عنه ؛ وإلا فقد انتصر له جماعة ممن جاء بعدهم " انتهى من " فتح الباري " (2/36) .

وبهذا يتبين الخلاف في المسألة ، وأن مذهب الحنفية يؤخر صلاة العصر عن مذهب الجمهور ، ووضحنا دليل كل قول وما أجاب به العلماء .

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" يسن في صلاة العصر تعجيلها في أول الوقت ، وذلك لما يلي :

1. لعموم الأدلة الدالة على المبادرة إلى فعل الخير ، كما في قوله تعالى ( فَاستَبِقُوا الخَيرَاتِ) البقرة/148.

2. ما ثبت أن الصلاة في أول وقتها أفضل .

3. ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي برزة الأسلمي : أنه كان يصلي العصر والشمس مرتفعة . البخاري (547) ، ومسلم (647) " انتهى من " الشرح الممتع " (2/104) .

ولمزيد من المصادر والمراجع ينظر : " المحلى " (2/197) ، " نهاية المحتاج (1/364) ، " فتح القدير " (1/227) ، و " حاشية الدسوقي " (1/177) ، " الموسوعة الفقهية " (7/173) .

وانظر جواب السؤال رقم : (179769) .

الفرق الثاني : وقت بداية العشاء ( نهاية المغرب )

فقد اختلف الحنفية والجمهور في هذه المسألة أيضا ، على قولين :

القول الأول : أن بداية العشاء هو غروب الشفق الأبيض وليس الأحمر ، والأبيض يتأخر بنحو من ثنتي عشرة دقيقة عن الشفق الأحمر ، وهذا قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله .

وقد استدل الحنفية على ذلك بما يأتي :

الدليل الأول :

حديث محمد بن الفضيل ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا : ( وَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ ، وَإِنَّ آخِرَ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الْأُفُقُ ) رواه الإمام أحمد في " المسند " (12/94) ، والترمذي في " السنن " (151) .

قالوا : " غيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة ، وإلا كان باديا "

ولكن اتفق أئمة الحديث المتقدمون على وقوع الوهم في هذه الرواية ، وأن محمد بن الفضيل أخطأ فجعل الحديث مرفوعا ، وإلا فالمعروف عن الأعمش أنه رواه عن مجاهد مرسلا . هكذا حكم البخاري ، ويحيى بن معين ، وأبو حاتم ، والترمذي ، والدارقطني . تراجع النقول عنهم في طبعة مؤسسة الرسالة من " المسند " (12/94-95)

الدليل الثاني : أقوال الصحابة الكرام

يقول الكمال ابن الهمام رحمه الله :

" وقد نقل عن أبي بكر الصديق ، ومعاذ بن جبل ، وعائشة ، وابن عباس رضي الله عنهم في رواية ، وأبي هريرة ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي ، والمزني ، وابن المنذر ، والخطابي ، واختاره المبرد وثعلب " انتهى من " فتح القدير " (1/223) .

الدليل الثالث :

أنه الأحوط ، وفيه الأخذ باليقين ، كما جاء في " فتح القدير " (1/223) : " أقرب الأمر أنه إذا تردد في أنه الحمرة أو البياض لا ينقضي بالشك ، ولأن الاحتياط في إبقاء الوقت إلى البياض لأنه لا وقت مهمل بينهما ، فبخروج وقت المغرب يدخل وقت العشاء اتفاقا ، ولا صحة لصلاة قبل الوقت ، فالاحتياط في التأخير " انتهى من " فتح القدير " (1/223) .

القول الثاني : أن بداية العشاء هو غروب الشفق الأحمر ، وهذا قول جماهير الفقهاء .

يقول الإمام النووي رحمه الله :

" مذهبنا أنه الحمرة ، ونقله صاحب التهذيب عن أكثر أهل العلم ، ورواه البيهقي في السنن الكبير عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وعبادة بن الصامت ، وشداد بن أوس رضي الله عنهم ، ومكحول ، وسفيان الثوري ، ورواه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس بثابت مرفوعا ، وحكاه ابن المنذر عن ابن أبي ليلى ، ومالك ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وهو قول أبي ثور ، وداود .

احتج أصحابنا للحمرة بأشياء من الحديث والقياس ، لا يظهر منها دلالة لشيء يصح منها ، والذي ينبغي أن يعتمد أن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة ، وذلك مشهور في شعرهم ونثرهم ، ويدل عليه أيضا نقل أئمة اللغة . قال الأزهري : الشفق عند العرب الحمرة . قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق ، وكان أحمر . وقال ابن فارس في المجمل : قال الخليل : الشفق الحمرة التي من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة . قال وقال ابن دريد أيضا : الشفق الحمرة ... فهذا كلام أئمة اللغة وبالله التوفيق " انتهى من " المجموع شرح المهذب " (3/ 43) ، وللتوسع ينظر " الحاوي الكبير " (2/23-25) ، " المغني " لابن قدامة (1/278) .

والخلاصة : أن أذان العشاء يتأخر عند الحنفية ، عنه لدى الجمهور ، بنحو ثنتي عشرة دقيقة كما في " الموسوعة الفقهية الكويتية " (7/175)، وأذان العصر يتأخر عند الحنفية بنصف ساعة وأكثر ، بحسب اختلاف البلدان والفصول ، والأصوب في جميع ذلك مذهب الجمهور .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·مواقيت الصلاة

سؤال رقم ١١٬٣٩٨

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب مواقيت الصلاة ‹