الفقه وأصوله · أصول الفقه
دلالة صيغة الأمر إذا جاءت بعد الحظر
السؤال
هل الأمر بعد النهي يفيد الإباحة أم أن الحكم يرجع إلى ما كان عليه في السابق ؟ وهل من مراجع مفيدة في هذه المسألة يمكنني الاطلاع عليها ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
الصحيح من أقوال الأصوليين أن صيغة الأمر تفيد الوجوب ما لم يصرفها صارف , فإن جاءت هذه الصيغة بعد تقدم النهي , كالأمر بالاصطياد بعد التحلل من الإحرام مثلا , كما في قوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ، فقد اختلف الأصوليون في ذلك على مذاهب ، أشهرها :
القول الأول : أَنَّ صيغة الأمر على حَالِهَا في اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ . وهو مذهب ابن حزم وبعض المالكية والشافعية .
والقول الثاني : أَنَّهُا على الْإِبَاحَةِ وهذا قول أكثر العلماء .
والقول الثالث : أنها تَرْفَعُ النهي السَّابِقَ وَتُعِيدُ حَالَ الْفِعْلِ إلَى ما كان قبل النهي فَإِنْ كان مُبَاحًا كانت لِلْإِبَاحَةِ أو وَاجِبًا فَوَاجِبٌ .
انظر " المحيط " للزركشي (2/112- 116) ، " المستصفى " (1/54) ، " شرح مختصر الروضة " (2/370-373) .
وهذا القول الأخير هو الراجح ، وهو ما اختاره جماعة من المحققين .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) :
" وَهَذَا أَمُرٌ بَعْدَ الْحَظْرِ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَثْبُتُ عَلَى السَّبْر : أَنَّهُ يَرُد الْحُكْمَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّهْيِ ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا رَدَّهُ وَاجِبًا ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فَمُسْتَحَبٌّ ، أَوْ مُبَاحًا فَمُبَاحٌ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ ، يُنْتَقَضُ عَلَيْهِ بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ ، وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لِلْإِبَاحَةِ ، يَرِدُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ ، وَالَّذِي يَنْتَظِمُ الْأَدِلَّةَ كُلَّهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ " انتهى من " تفسير ابن كثير " (2/12) .
وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله :
" وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب ، فالصيد قبل الإحرام كان جائزا فمنع للإحرام ، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله : ( وإذا حللتم فاصطادوا ) ، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم ، وهو الجواز ، وقتل المشركين كان واجبا قبل دخول الأشهر الحرم ، فمنع من أجلها ، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) الآية ، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم ، وهو الوجوب ، وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية " انتهى من " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن " (1/327) .
وقد رجح هذا القول أيضا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله ، انظر : " شرح منظومة أصول الفقه وقواعده " (ص/171-173) .
أما المراجع التي تسأل عنها فقد ذكرنا بعضها ، ولا يكاد يخلو كتاب من أصول الفقه من التعرض لهذه المسألة .
والله أعلم .
الباب: الفقه وأصوله·أصول الفقه
سؤال رقم ١٢٬٨٥٧دليل الألوان
أسئلة ذات صلة في أصول الفقه
- ما ضابط "الخلاف السائغ"؟ وهل الخلاف في التصوير ، وصلاة الجماعة ، والإسبال منه ؟#31409
- هل يدخل النسخ في الأوامر والنواهي المعللة؟#30818
- هل يلزم أهل كل بلد بمذهب فقهي معين ؟#30517
- إذا تعارضت قاعدة "الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته" مع قاعدة "الأصل براءة الذمة" فأيهما يقدم؟#30002
- ما اختلف العلماء في وجوبه واستحبابه، هل يقال إنه مستحب بالإجماع؟#29730
- الخلاف في كون النهي يقتضي الفساد وبيان مذهب الحنابلة في ذلك#29411
