الفقه وأصوله · صلاة الجماعة

هل يجوز أن يتأخر عن صلاة الجماعة ؛ ليصلي جماعة مع من يأتي متأخرا ؟

سؤال وجواب رقم ١٤٬١٧٦

السؤال

هل يجوز لرجل يستطيع حضور صلاة الجماعة أن يتأخر ليصلي جماعة مع من يأتي متأخراً بعد انتهاء الصلاة ؛ وذلك حتى لا ينقص أجر المتأخر إن صلى منفرداً ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الذي ينبغي في المقام الأول هو أن يهتم المسلم بعبادته هو لله تعالى وتكميلها ، ثم يكون بعد ذلك نظره لما يتعلق بشأن غيره ، وليس من المقبول في الشرع ، بل ولا في العقل ، أن يقصر في عبادته ليكمل عبادة غيره .

قال الله تعالى : (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) سورة العصر .

فذكر الله تعالى صفات الناجين من الخسران : أنهم أكملوا أنفسهم بالإيمان والعمل الصالح ، ثم سعوا في إكمال غيرهم بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر .

قال السعدي رحمه الله في تفسيره (ص 934) :

" أقسم تعالى بالعصر أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بأربع صفات :

الإيمان بما أمر الله بالإيمان به ..

والعمل الصالح ..

والتواصي بالحق، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه ، ويرغبه فيه.

والتواصي بالصبر على طاعة الله ، وعن معصية الله ، وعلى أقدار الله المؤلمة .

فبالأمرين الأولين ، يكمل الإنسان نفسه ، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره ، وبتكميل الأمور الأربعة ، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم " انتهى.

وقال الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله ، بعد كلام له :

" وَالْغَرَضُ أَنَّهُ ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ: " خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ " وَهَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّبِعِينَ لِلرُّسُلِ ، وَهُمُ الكُمل فِي أَنْفُسِهِمُ ، الْمُكَمِّلُونَ لِغَيْرِهِمْ ، وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّفْعِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي ، وَهَذَا بِخِلَافِ صِفَةِ الْكُفَّارِ الْجَبَّارِينَ الَّذِينَ لَا يَنْفَعُونَ ، وَلَا يَتْرُكُونَ أَحَدًا مِمَّنْ أَمْكَنَهُمْ أَنْ يَنْتَفِعَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ [النَّحْلِ: 88] " انتهى من "تفسير ابن كثير" (1/67) .

فلم يثبت لهم مقام الخير ، والتكميل لغيرهم ، إلا بعد سعيهم في تكميل أنفسهم من أبواب الخير، بحسب الطاقة .

وبناء على هذا ، فالذي يؤمر به المسلم أولاً : أن يحضر مع الجماعة الأولى في المسجد ، لاسيما والجماعة الأولى هي التي وردت الأحاديث بالأمر بها والحث عليها وبيان فضلها .

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله :" قول القائل : إنهم إذا صلوا في المسجد ، ولو بعد الجماعة الأولى ، فإن لهم أجر سبعِ وعشرين درجة: فهذا ليس بصحيح ، فأجر سبعٍ وعشرين درجة لا يكون إلا في الجماعة الأولى فقط ، أما الثانية: فلا شك أن الصلاة في جماعة أفضل من الصلاة على وجه الانفراد ، لكن كون الجماعة الثانية تنال أجر الجماعة الأولى: فهذا ليس بصحيح ، وإلا لكان كل الناس يذهبون إلى المسجد متى شاءوا ، ويصلون جماعة ويقولون: أخذنا أجر سبع وعشرين درجة ، فهذا لا أعلم أحداً قال به ، أي: أن الصلاة الثانية كالصلاة الأولى في الحصول على أجر سبع وعشرين درجة ؛ فلا أعلم أحداً قال بهذا " .

انتهى من " لقاء الباب المفتوح " (44/ 20) بترقيم الشاملة .

وإذا حرص المسلم على أن ينال المتأخر عن الصلاة الأولى ثواب الجماعة ، ففي إمكانه أن يعود ويصلي معه مرة أخرى ، وبهذا يكون قد أحسن إليه ، وتصدق عليه ، ولم يضيع على نفسه ثواب الجماعة الأولى وفضلها .

روى أحمد (11016) ، وأبو داود (574) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : " أَنَّ رَجُلا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ ؟ ) فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ" وصححه الألباني في "صحيح أبي داود ".

فليحذر العبد الناصح لنفسه من استدراج الشيطان له ، وصرفه بالأمر المفضول ، الذي لم يطالب به ، عن العبادة الفاضلة ، التي أمره الله بها ورسوله ، وتزيين الشيطان له ذلك : بأنه أمر خير ، ونفع للغير .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·صلاة الجماعة

سؤال رقم ١٤٬١٧٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب صلاة الجماعة ‹