الفقه وأصوله · الأيمان والنذور

نذرت الصدقة براتب ابنتها ، فماذا يلزمها ؟

سؤال وجواب رقم ١٧٬٠٨٧

السؤال

نذرت أمى إخراج أول مرتب لى كله لله فهل يمكن تجزئته ؟

بمعنى إن كان المرتب 1500 جنيها ، فهل يمكن تجزئته على مدار ثلاثة شهور كل شهر أخرج 500 جنيها ، أم يجب إخراجه كله كما جاء بالنذر ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

إذا نذر الإنسان التصدق بمال غيره – ولو كان ابنه – فهو من باب " نذر ما لا يملك".

وقد صحت السنة النبوية في أن مثل هذا النذر باطل ، وغيرُ لازم ، ولا عبرة به .

عنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ) رواه البخاري (6047) ، ومسلم (110) .

قال المناوي : " أَي لَو نذر عتق من لَا يملكهُ ، أَو التَّضْحِيَة بِشَاة غَيره ، وَنَحْو ذَلِك : لم يلْزمه الْوَفَاء بِهِ ، وإن دخل فِي ملكه " انتهى من "التيسير بشرح الجامع الصغير" (2/325).

وفي "مرقاة المفاتيح" (6/2236) : " وفي رواية : ولا نذر فيما لا يملك ، أي : لا صحة له ، ولا عبرة به " انتهى .

ثانياً :

من نذر نذراً في شيء مملوك لغيره ، فلا يلزم صاحب الملك شيءٌ ، كما لا يلزم الناذر شيءٌ ؛ لأن هذا النذر لغو لا أثر له ، وليس فيه كفارة يمين .

ويدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (1641) من حديث عمران بن حصين : " أن امرأة من الأنصار أُسرت مع ناقة النبي صلى الله عليه وسلم العضباء ، فهربت من الأسر على تلك الناقة وَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا ، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فَقَالَتْ : إِنَّهَا نَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا.

فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ( سُبْحَانَ اللهِ ، بِئْسَمَا جَزَتْهَا ، نَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا ! لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَة ٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ ).

ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل نذرها ، ولم يرتب عليه شيئاً في حقه أو حقها.

قال أبو العباس القرطبي : " إذ لو كان هنالك حكم لبيَّنه للمرأة ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة " انتهى من "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (15/ 62) .

وقال النووي : " لَا يَصِحُّ النَّذْرُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ، وَلَا يَلْزَمُ بِهَذَا النَّذْرِ شَيْءٌ " .

انتهى من "شرح صحيح مسلم" (2/125).

ثالثا :

اختلف العلماء فيمن نذر شيئا معينا لا يملكه : هل تجب عليه كفارة يمين أم لا ؟

قال ابن الملقن :

" وهل يجب عليه فيه كفارة يمين ؟

قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وداود والجمهور: لا ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد) رواه مسلم من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه .

وهو محمول على ما إذا أضاف النذر إلى معين ، ولا يملكه ، بأن قال: إن شفى الله مريضي فللَّه علي أن أعتق عبد فلان ، أو أتصدق بثوبه أو بداره أو نحو ذلك .

فأما إذا التزم في الذمة شيئا لا يملكه : فيصح نذره ، كإن شفى الله مريضي ، فللَّه علي عتق رقبة ، وهو في ذلك الحال لا يملك شيئًا.

وقال أحمد: يجب في النذر في المعصية ونحوها : كفارة يمين ، وفيه حديث من طريق عمران بن حصين وعائشة: ( لا نذر في معصية ، وكفارته كفارة يمين) ، لكنه حديث ضعيف باتفاق المحدثين، كما نقله النووي في شرح مسلم" انتهى من "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" (9/303).

وقال الشيخ عبد الله البسام : " الحديث يدل على أن النذر لا يصح ، ولا ينعقد في شيء لا يملكه الناذر حين نذره ، حتى ولو ملكه بعده ، فلا يلزمه الوفاء به ، ولا كفارة عليه ".

انتهى من "توضيح الأحكام " (5/ 514).

والحاصل :

أن النذر الذي نذرته والدتك لم ينعقد ، ولا يترتب عليه شيء ، والأحوط أن تخرج كفارة يمين مراعاة لمن أوجب ذلك من أهل العلم .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·الأيمان والنذور

سؤال رقم ١٧٬٠٨٧

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأيمان والنذور ‹