الفقه وأصوله · أصول الفقه

قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح مقيدة بحالة التكافؤ

سؤال وجواب رقم ١٬٧٤٥

السؤال

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله رحمة واسعة - وهو يشرح هذا البيت :

ومع تساوى ضرر ومنفعة ... يكون ممنوعاً لدرء المفسدة

في منظومته- رحمه الله - في القواعد الفقهية ص 21 :

" القاعدة الثالثة : وهي التي يعبر عنها العلماء بقولهم : " درء المفاسد أولى من جلب المصالح " ولكنها مقيدة بما ذكرناه في هذا البيت . وهو أنه : إذا اجتمع في الشيء المنافع ، وتساوت المنافع والمضار ، فإنه يكون ممنوعاً من أجل المفسدة ، وهذا القيد الذى ذكره الناظم قيد لا بد منه ، وهو قيد لما اشتهر من قول العلماء : إذا اجتمعت مصلحة ومفسدة غلب جانب المفسدة . و هذا ليس على إطلاقه ، بل هو مع التساوي ، أما إذا ترجحت المنفعة فإنه يؤخذ بها ، وإذا ترجحت المفسدة فإنه يغلب جانبها " .

والسؤال : في الجزء الأخير قوله رحمه الله : " أما إذا ترجحت المنفعة فإنه يؤخذ بها ، وإذا ترجحت المفسدة فإنه يغلب جانبها ". هل هذا على إطلاقه ، أم إنه مقيد بأن تكون المنفعة من الضرورات أو من الحاجات . أرجو منكم التوضيح ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

عند اجتماع المصالح والمفاسد في الحالة الواحدة فإن فقه الموازنة بينهما في قسمة العقل لا يخرج عن ثلاث حالات :

الحالة الأولى : أن تكون المصلحة هي الراجحة فتقدَّم ، وتحتمل المفسدة الأدنى ، في سبيل تحصيل المصلحة الأعظم ، ومن أمثلته جواز التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان في حالة الإكراه ، وذلك تقديما لمصلحة حفظ الروح على مفسدة الكفر اللساني .

ولا يخفى أن تقرير كون المصلحة أرجح وأعظم من المفسدة في هذه الحالة ، من المباحث الدقيقة التي تقتضي كثيراً من التأني والتأمل في الأدلة الشرعية ، ومن ذلك مراعاة تعلق المصلحة أو المفسدة بالضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات ، واعتبار هذه المستويات أثناء المقارنة الترجيحية بينهما ، وإلا وقع الخطأ والخلل ، واضطربت القواعد بسبب الإجمال .

وهذا يدل على أن تقديم المصالح على المفاسد يدخل في جميع الدرجات : الضرورية والحاجية والتحسينية ؛ إذ ليس ثمة ما يمنع من انطباق القاعدة على التحسينيات .

ولما قرر العز بن عبد السلام رحمه الله هذه القاعدة قسم المصلحة التي ترجح على المفسدة إلى أقسام ، فقال : " وهذه المصالح أقسام : أحدها ما يباح . والثاني : ما يجب لعظم مصلحته . والثالث : ما يستحب لزيادة مصلحته على مصلحة المباح . والرابع : مختلف فيه " انتهى.

فتأمل كيف أدخل المصالح المباحة تحت هذه القاعدة ، وهي مصالح تحسينية ، ومؤكد أنه لن يتم تقديم مصلحة تحسينية على مفسدة تتعلق بالضروريات ، بل لا بد من مراعاة اندراجها تحت ميزان واحد .

وأمثلة المنافع الضرورية أو الحاجية توسع بذكرها العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه الفذ : " قواعد الأحكام في مصالح الأنام "، يمكن مراجعته لمن أراد التوسع .

وأما أمثلة ترجيح المصلحة على المفسدة في بعض القضايا التحسينية أو التكميلية فهي قليلة ، ولكنها موجودة ، منها على سبيل المثال :

أولا :

ما ذكره العلماء في شرح حديث ذهاب ابن عمر إلى سرادق الحجاج في الحج وقوله له : ( الرواح إن كنت تريد السنة ) رواه البخاري (1660) وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر : " فيه احتمال المفسدة الخفيفة لتحصيل المصلحة الكبيرة ، يؤخذ ذلك من مضي ابن عمر إلى الحجاج وتعليمه " انتهى من " فتح الباري " (3/512) .

ثانياً : من الأمثلة التي ذكرها العز بن عبد السلام ، ونراها تنطبق على سؤال السائل ، قوله رحمه الله : " هجرة المسلم محرمة لما فيها من المفسدة ، لكنها جازت في ثلاثة أيام دفعا للمشقة عن المحرج الغضبان ... والحجر على المرضى فيما زاد على الثلث مفسدة في حقهم ، لكنه ثبت نظرا لمصلحة الورثة في سلامة الثلثين لهم ، كما ثبت تقديم حقه في الثلث على حقوقهم " انتهى باختصار من " قواعد الأحكام " (1/104) .

الحالة الثانية : أن تكون المفسدة هي الراجحة ، وأعظم من المصلحة ، فدرؤها مقدم على جلب المصلحة ، كمن خير بين مصلحة المال ومفسدة قتل النفس ، فلا شك أن الأولى أن يضحي بالمال لأجل درء القتل .

يقول العز بن عبد السلام رحمه الله :

" فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة : درأنا المفسدة ، ولا نبالي بفوات المصلحة ، قال الله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) البقرة/ 219 ، حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما " .

انتهى من " قواعد الأحكام " (1/98) .

الحالة الثالثة : أن تستوي المصلحة والمفسدة ، فهنا يأتي محل القاعدة المشهورة " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح "، هذا مع العلم أن هذه الحالة الثالثة محل نزاع بين العلماء ، فقد أنكر كثير منهم وقوعها ، وقالوا من المتعذر الحكم بتساوي المصالح والمفاسد في إحدى الحالات ، بل لا بد من تأثير إحدى المرجحات لتنقل الحالة إلى الصورة الأولى أو الثانية .

يقول الإمام السبكي رحمه الله :

" درء المفاسد أولى من جلب المصالح . ويستثنى مسائل ، يرجع حاصل مجموعها إلى أن المصلحة إذا عظم وقوعها ، وكان وقع المفسدة [أخف] : كانت المصلحة أولى بالاعتبار . ويظهر بذلك أن درء المفاسد ؛ إنما يترجح على جلب المصالح إذا استويا ".

انتهى من " الأشباه والنظائر " (1/105).

ويقول الأمير الصنعاني رحمه الله :

" دفع المفاسد أهم من جلب المصالح عند المساواة " انتهى من " إجابة السائل " (ص/198) .

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله :

" عند التكافؤ فدرء المفاسد أولى من جلب المصالح " .

انتهى من " رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه المهمة " (ص/104) .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·أصول الفقه

سؤال رقم ١٬٧٤٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب أصول الفقه ‹