الفقه وأصوله · أصول الفقه
هل يستحب ترك المحرم تحريم الذرائع عند وجود الحاجة ؟
السؤال
ذكرتم لي في إحدى فتاويكم قاعدة "ما حرّم تحريم الوسائل يباح عند الحاجة " فهل يمكننا القول رغم الإباحة إلاّ أنّه يستحبّ ترك المحرم تحريم الوسائل رغم الحاجة الرّاجحة ؟
أم أنّ كلّ حالة بحسبها ، فمثلا قضيّتي هي وجود الإختلاط في كلّ الأماكن الدّراسية والعملية ، فهل إذا دخل المسلم إلى الجامعة أو أماكن العمل بنيّة إفادة المسلمين كتوفير المسلمين الصّالحين الأقوياء في المجتمع ، والّذين يحاولون جادّين إن شاء الله تخفيف الإختلاط من خلال قوّتهم ودعوتهم ، مع الإلتزام الجاد بالضّوابط من غضّ البصر وغيرها ، فهل يؤجر هنا المسلم أم يقال له يباح والأفضل الترك ؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
ذكر الفقهاء رحمهم الله تعالى في القواعد الفقهية أن ما حرم لسد الذرائع فإنه يباح للحاجة , قال ابن القيم : " ما حُرِّم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة ، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل ، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر ، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم ، وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال ، حرم لسد ذريعة التشبيه بالنساء الملعون فاعله ، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة ".
انتهى من " إعلام الموقعين" (2 / 161).
وقال الشيخ ابن عثيمين : " وما كان تحريمه تحريم وسيلة ، فإنه يجوز عند الحاجة ".
انتهى من " منظومة أصول الفقه " صـ 67.
ولا نستطيع أن نطرد القول بأن ترك فعل المحرم تحريم الذرائع مستحب مع وجود الحاجة الداعية لفعله , فهذا غير مستقيم بل قد يكون فعله هو المستحب أحيانا .
ومثال ذلك تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية ، فإنه إنما حرم تحريم الوسائل ؛ لأنه قد يفضي إلى الفاحشة , ومع ذلك فإنه رخص في النظر إلى المخطوبة ، والأخذ بهذه الرخصة أرجح وأولى من ترك ذلك ؛ فيستحب النظر إلى المخطوبة ، مع أنها امرأة أجنبية , ولا يصح أن يقال : يستحب تركه ، فقد ورد الحديث الصحيح بالأمر بالنظر إلى المخطوبة , كما ورد في الفتوى رقم : (145678).
ثانيا:
سبق بيان تحريم الاختلاط والمفاسد المترتبة عليه في السؤال : (1200) ، وأن الواجب على المسلم اجتناب الدراسة والعمل في الأماكن المختلطة .
إلا أن البلاد التي ابتلي أهلها بوجود الاختلاط في غالب مجالات الحياة ، خاصة مراكز التعليم ، وأماكن العمل والوظائف ، بحيث صار من المشقة الكبيرة على المسلم أن ينأى بنفسه عنها ، يُرَّخص لهم ما لا يرخص لغيرهم ممن حفظهم الله من هذه الأمور , خصوصا إذا كان دخولهم إلى هذه الأماكن بهدف تحصيل علم نافع يعود بالمصالح على المسلمين ، أو تتعلق به مصلحة راجحة .
وهذا الترخيص مبناه على القاعدة الفقهية المذكورة آنفا وهي : أن ما حرم سداً للذريعة يباح للحاجة والمصلحة الراجحة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم ، إذا عارضتها حاجة راجحة : أُبيح المحرَّم" انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/49) .
وقال: " ما كان من باب سد الذريعة : إنما يُنهى عنه إذا لم يُحتج إليه ، وأما مع الحاجة للمصلحة التي لا تحصل إلا به : فلا ينهى عنه " انتهى من " مجموع الفتاوى" (23/214).
وقد سبق بيان هذه المسألة بالتفصيل وذكر أقوال أهل العلم في الفتوى رقم: (127946).
والله أعلم.
الباب: الفقه وأصوله·أصول الفقه
سؤال رقم ١٧٬٥١٩دليل الألوان
أسئلة ذات صلة في أصول الفقه
- ما ضابط "الخلاف السائغ"؟ وهل الخلاف في التصوير ، وصلاة الجماعة ، والإسبال منه ؟#31409
- هل يدخل النسخ في الأوامر والنواهي المعللة؟#30818
- هل يلزم أهل كل بلد بمذهب فقهي معين ؟#30517
- إذا تعارضت قاعدة "الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته" مع قاعدة "الأصل براءة الذمة" فأيهما يقدم؟#30002
- ما اختلف العلماء في وجوبه واستحبابه، هل يقال إنه مستحب بالإجماع؟#29730
- الخلاف في كون النهي يقتضي الفساد وبيان مذهب الحنابلة في ذلك#29411
