الفقه وأصوله · الوقف

أوقف مزرعةً ولم يحدد جهة صرفها قبل موته

سؤال وجواب رقم ٢٢٬١٢٣

السؤال

أوقف جدي رحمه الله مزرعة تزرع بطيخ " حبحب " على نزول الأمطار ، هل يحق لي الأكل من الإنتاج والتصدق والإهداء ؟ وماذا أفعل بالربح من بيع " الحبحب " ؟ وهل يحق لي أخذ مبلغ مقابل تعبي ؟ وكم نسبته إن كان يحق لي ؟ .

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً:

الناظر على الوقف له أن يأخذ أجرة مقابل عمله ورعايته للوقف .

فإذا كان الواقف قد نص على شيء معين له فهو له ، وإن لم يحدد له أجرة فالمرجع في تحديدها إلى القاضي الشرعي ، فإن تعذر وجود قضاء شرعي في البلد ، فعلى الناظر أن يتحرى العدل بقدر الإمكان ، وينبغي أن يستشير العقلاء وأهل العلم والخبرة حتى يكون أقرب إلى العدل ، وأبعد عن الظلم وأكل المال الحرام .

وقد جاءت السنة بجواز أخذ الواقف أجرة على عمله .

فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِى دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِى وَمُؤْنَةِ عَامِلِى فَهْوَ صَدَقَةٌ) رواه البخاري (2624) – وبوَّب عليه : باب نفقة القيِّم للوقف - ومسلم (1760) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

"وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف ، والمراد بالعامل في هذا الحديث : القيم على الأرض ، والأجير ، ونحوهما" انتهى من "فتح الباري" (5/406) .

وجاء في "الموسوعة الفقهية" (44/210) :

"ذهب الفقهاء على أن الناظر على الوقف يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة الوقف والعناية بمصالحه" انتهى .

وفيها أيضاً (44/211) :

"أجرة الناظر إما أن تكون مشروطة من قبل الواقف ، أو مقدرة من قبل القاضي .

فإن كانت الأجرة مشروطة من قبل الواقف : فإن الناظر يأخذ ما شرطه له الواقف ولو كان أكثر من أجر مثله ، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة .

ونص الحنفية على أنه لو عين له الواقف أقل من أجر المثل فللقاضي أن يكمل له أجر مثله بطلبه" انتهى .

ثانياً:

يجوز للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف ، وذلك بالقدر الذي جرت به العادة ، ويجوز له إطعام صديقه وضيفه منها ، ولا يجوز له أن يتمول من تلك الغلَّة لا لنفسه ولا لضيفه ولا لصديقه ، ومعنى التمول : التجميع والتخزين ، أو البيع وكسب المال من الغلة .

فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ : (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ ، فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ . رواه البخاري (2620) ومسلم (1632) .

قال أبو العباس القرطبي رحمه الله :

"وقوله : (لا جناح على من ولِيها أن يأكل منها بالمعروف) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها ، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها ، على ما جرت عادة العمَّال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها ، فإن المنع من ذلك نادر ، وامتناع العامل من ذلك أندر ، حتى إنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقْبِح ذلك عادةً وشرعاً .

وعلى ذلك : فيكون المراد بالمعروف : القدْر الذي يدفع الحاجة ، ويردُّ الشَّهوة ، غير أكل بسرفٍ ، ولا نَهْمةٍ ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبْنَة" انتهى .

"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (4/602 ، 603) .

الحيطان : البساتين .

الخبنة : ما يُحمل في الحِضن أو تحت الإبط .

وقال المباركفوري رحمه الله :

(غير متمول فيه) أي مدخر .

"تحفة الأحوذي" (4/521) .

وقال الصنعاني رحمه الله :

ولا يأخذ من غلَّتها ما يشتري بدله ملكاً ، بل ليس له إلا ما ينفقه .

" سبل السلام " ( 3 / 88 ) .

ثالثاً:

إذا لم يحدد الواقف جهة لصرف الوقف ، فوقفه صحيح عند جمهور العلماء ، خلافاً للشافعية الذين قالوا ببطلانه ، وقد اختلف المصححون له في أوجه صرفه :

فأبو يوسف – من الحنفية – يقول : بأنه يُصرف إلى الفقراء .

وعند المالكية : يُصرف الوقف بحسب غالب الوقف في بلاد الواقف ، فإن لم يوجد غالب فيُصرف للفقراء .

وعند الحنابلة يُصرف الوقف إلى ورثة الواقف نسباً على قدر إرثهم ، ويكون وقفاً عليهم فلا يملكون نقل الملك في رقبته ، فإن عُدموا : فيُصرف للفقراء والمساكين وقفاً عليهم .

واختار ابن قدامة رحمه الله أنه يصرف إلى الفقراء ، فإن كان في أقارب الواقف فقراء فهم أحق به .

انظر : "الموسوعة الفقهية" (44/149 ، 150) ، و "أبحاث هيئة كبار العلماء" (5/95) .

وعلى هذا ، فهذا الوقف يصرف إلى أقارب الواقف الفقراء ، فإن فضل عنهم أو لم يكن أحد من أقاربه فقراء صرف إلى غيرهم من فقراء المسلمين ، وذلك لأن الفقراء هم مصرف الصدقات .

والله أعلم.

الباب: الفقه وأصوله·الوقف

سؤال رقم ٢٢٬١٢٣

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الوقف ‹