الفقه وأصوله · الأموال المحرمة

حكم شراء البضاعة المسروقة وانتقالها لغير المشتري

سؤال وجواب رقم ٢٦٬٨٣٥

السؤال

والدي اشترى ماكينات من كافر مع علمه بأنها مسروقة ، فما رأي الشرع في ذلك ؟ وما حكم الشرع في مال أخذته منه واستعملته في التجارة ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

لا يجوز شراء البضائع المسروقة – ولو سرقت من كفار - ، وهي من المال المحرَّم لعينه ، والذي لا يحل لأحدٍ أن يتملكه ولو بطريق مشروعة كالشراء والهبة والميراث .

والواجب على من علم أن ما سيشتريه مسروق أن يُنكر على السارق ، ويأمره بالتوبة من السرقة ، ورد البضاعة إلى أصحابها ، وأن يحاول إرجاع البضاعة إلى أصحابها إن تمكن من ذلك وعلِم أعيانهم ، أو يخبرهم بمكان بضاعتهم المسروقة ، أو يخبر الجهات المسئولة عن ذلك .

ومن اشترى بضاعة وهو يعلم أنها مسروقة : أثِم ، ومن تمام توبته إرجاع البضاعة لأصحابها ، والرجوع بالثمن على من باعه إياها .

والشراء من السارق فيه إعانة على الإثم والعدوان ، وتشجيع للسارق بالاستمرار على فعله ، وفيه ترك لإنكار المنكر ، كما أن من شروط صحة البيع ملك البائع لما يبيعه ، فإن كان سارقاً فهو غير مالك ، وهذا موجب لبطلان العقد .

وهذه فتاوى أهل العلم فيما سبق :

1. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" الأموال المغصوبة والمقبوضة بعقود لا تباح بالقبض إن عرفه المسلم : اجتنبه ، فمن علمتُ أنه سرق مالاً ، أو خانه في أمانته ، أو غصبه فأخذه من المغصوب قهراً بغير حق : لم يجز لي أن آخذه منه ، لا بطريق الهبة ، و لا بطريق المعاوضة ، و لا وفاء عن أجرة ، ولا ثمن مبيع ، و لا وفاء عن قرض ، فإن هذا عين مال ذلك المظلوم " انتهى .

" مجموع الفتاوى " ( 29 / 323 ) .

2. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً :

"وإن كان الذي معهم – أي : التتار - أو مع غيرهم أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم : فتلك لا يجوز اشتراؤها لمن يتملكها ، لكن إذا اشتُريت على طريق الاستنقاذ لتصرف في مصارفها الشرعية فتعاد إلى أصحابها إن أمكن ، وإلا صرفت في مصالح المسلمين : جاز هذا" انتهى .

" مجموع الفتاوى " ( 29 / 276 ) .

3. وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :

"إذا تيقن الإنسان من كون السلعة المعروضة للبيع أنها مسروقة ، أو مغصوبة ، أو أن مَن يعرضها لا يملكها ملكاً شرعيّاً ، وليس وكيلاً في بيعها : فإنه يحرم عليه أن يشتريها ؛ لما في شرائها من التعاون على الإثم والعدوان ، وتفويت السلعة على صاحبها الحقيقي ؛ ولما في ذلك من ظلم الناس ، وإقرار المنكر ، ومشاركة صاحبها في الإثم ، قال الله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/2 .

وعلى ذلك ينبغي لمن يعلم أن هذه السلعة مسروقة أو مغصوبة أن يقوم بمناصحة من سرقها برفق ولين وحكمة ليرجع عن سرقته ، فإن لم يرجع وأصر على جرمه : فعليه أن يبلغ الجهات المختصة بذلك ليأخذ الفاعل الجزاء المناسب لجرمه ، ولرد الحق إلى صاحبه ، وذلك من باب التعاون على البر والتقوى ؛ ولأن في ذلك ردعا للظالم عن ظلمه ، ونصرة له وللمظلوم .

ولذلك ثبت في الحديث الذي رواه أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) قالوا : يا رسول الله : هذا ننصره مظلوماً ، فكيف ننصره ظالماً ؟ قال : ( تأخذ فوق يديه ) أخرجه البخاري في صحيحه وأخرج الإمام أحمد في " المسند " نحوه ، وفي رواية أخرى : فقال رجل : يا رسول الله : أنصره إذا كان مظلوماً ، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره ؟ قال : ( تحجزه عن الظلم ، فإن ذلك نصره ) .

وعلى ذلك : فإن نصر الظالم بردعه عن ظلمه ، واعتدائه ، ونصر المظلوم بالسعي في رد حقه عليه ، ومنع الظالم من تمكينه من إيذائه هو فرض كفاية ، فإذا لم يوجد من يقوم بذلك بصفة رسمية ، أو من هو أقوى منه في الأخذ على يد الظالم والعاصي لله ، وردعه عن ظلمه وجرمه : تعين الأمر عليه حسب قدرته واستطاعته ، مع الرفق واللين ، وله الأجر والثواب على ذلك ، إن شاء الله تعالى" انتهى .

الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد .

" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 13 / 82 ، 83 ) .

4. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :

عُرض عليَّ سلعة اتضح لي أنها مسروقة ، غير أن الذي عرضها عليَّ لم يكن هو السارق وإنما اشتراها من شخص آخر اشتراها من السارق ، إذا اشتريتها مع علمي بذلك : فهل أكون آثماً ، مع أني لا أعلم صاحبها الذي سرقت منه ؟

فأجاب :

"الذي يظهر من الأدلة الشرعية : أنه لا يجوز لك شراؤها إذا اتضح لك أو غلب على ظنك أنها مسروقة ؛ لقول الله سبحانه : ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ؛ ولأنك تعلم أو يغلب على ظنك أن البائع ليس مالكاً لها شرعاً ، ولا مأذوناً له شرعاً في بيعها ، فكيف تعينه على ظلمه فتأخذ مال غيرك بغير حق ، نعم إذا أمكن شراؤها للاستنقاذ وردها إلى مالكها : فلا بأس ، إذا لم يتيسر أخذها بالقوة ، وعقوبة الظالم ، أما إذا أمكن أخذها بالقوة وعقوبة الظالم بعقوبته الشرعية : فهذا هو الواجب للأدلة المعلومة من الحديث ( انصر أخاك ظالما أو مظلوماً ... ) الحديث" انتهى.

" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 19 / 91 ، 92 ) .

ثانياً :

وأما أخذك المال من والدك فلا حرج في ذلك ، لأن من اختلط ماله ، فكان فيه الحرام والحلال لا حرج من معاملته بالبيع والشراء والهبة والقرض ونحو ذلك ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع اليهود وهم أكلة الربا والمال الحرام .

ولكن إذا كان المال الذي تأخذه من والدك هو نفس المال المسروق فإن هذا لا يحل لوالدك ولا لك .

وأخيرا .. ينبغي عليك نصح والدك بتحري الحلال وتجنب الحرام فإن كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به .

نسأل الله تعالى أن يغنيكم بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه .

والله أعلم

الباب: الفقه وأصوله·الأموال المحرمة

سؤال رقم ٢٦٬٨٣٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الأموال المحرمة ‹