الفقه وأصوله · البيوع

هل يجوز لموظفي الدولة بيع المساكن التي توفرها لهم الدولة ؟

سؤال وجواب رقم ٢٩٬٨٥٤

السؤال

أنا أسكن في حي سكني تابع للدولة ، ويسكن هذا الحي موظفو الدولة ، ويقوم بعض الموظفين ببيع هذه الدور فيما بينهم ؟ وأحيانا يشتري البيت شخص ليس بموظف ؛ فهل هذا يجوز؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لهذه المسألة ثلاث صور :

الأولى : أن تعطيهم الدولة هذه البيوت للانتفاع بها بالسكنى ، دون تميلك .

ففي هذه الحال ، ليس لهم بيعها ، ولا تأجيرها ، لأنها ليست ملكاً لهم ، وليس لهم أن يسكنوا فيها من لا تجيز الدولة سكناه فيها ممن لا تتوافر فيهم الشروط .

قال الشيخ ابن باز : " أما البيوت التي أعدتها الدولة للسكن ، فلا يسكنها إلا بإذن الدولة ... ولا يسكنها إلا إذا توفرت فيه الشروط ، ولا يتساهل في خيانة الموظفين ".

انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (19/404) .

وينظر : جواب السؤال (111335) .

الثانية : أن تعطيها لهم على سبيل التمليك المطلق ، دون قيد ولا شرط .

ففي هذه الحال يجوز لهم التصرف بها مطلقاً كما يشاءون : بيعاً ، وهبةً ، وإجارةً ، وغير ذلك ؛ لأنها ملكهم ، وللإنسان أن يتصرف في ملكه كما يشاء .

الثالثة : أن تعطيها لهم على سبيل التمليك ، مع اشتراط عدم التصرف بها بيعاً أو هبةً إلا بإذنهم.

فهذه الصورة محل خلاف بين العلماء :

فجمهور العلماء على أن هذا الشرط باطل ، لا يلزم الوفاء به ؛ لأنه مخالف لمقتضى عقد البيع ، إذ مقتضى البيع والتمليك : أن المالك يبيع ملكه على من شاء.

وذهب بعض العلماء إلى أن هذا الشرط صحيح ، إذا ترتب عليه تحقيق غرض مقصود للبائع ، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية .

قال شيخ الإسلام: " وَأُصُولُ أَحْمَد وَنُصُوصُهُ تَقْتَضِي جَوَازَ شَرْطِ كُلِّ تَصَرُّفٍ فِيهِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْعٌ مِنْ غَيْرِهِ ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/ 169).

وقال : " وَكَذَلِكَ جَوَّزَ أَنْ يَشْتَرِطَ بَائِعُ الْجَارِيَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَبِيعُهَا لِغَيْرِ الْبَائِعِ ، وَأَنَّ الْبَائِعَ يَأْخُذُهَا إذَا أَرَادَ الْمُشْتَرِي بَيْعَهَا بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ ، كَمَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ ". انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/170).

وقال : " وَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ : هَذَا الشَّرْطُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، قِيلَ لَهُ : يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ ، أَوْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُطْلَقًا؟

فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ: فَكُلُّ شَرْطٍ كَذَلِكَ.

وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ: لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ؛ وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ: أَنْ يُنَافِيَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ ، كَاشْتِرَاطِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ ، أَوْ اشْتِرَاطِ الْفَسْخِ فِي الْعَقْدِ.

فَأَمَّا إذَا شَرَطَ مَا يُقْصَدُ بِالْعَقْدِ : لَمْ يُنَافِ مَقْصُودَهُ ، هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَالِاعْتِبَارِ ، مَعَ الِاسْتِصْحَابِ ، وَعَدَمِ الدَّلِيلِ الْمُنَافِي".

انتهى من "مجموع الفتاوى" (29/137) .

وما ذهب إليه شيخ الإسلام قول وجيه ، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين أيضاً ، حيث قال : " الصحيح أن في ذلك تفصيلاً ، وهو إن كان شرط عدم البيع لمصلحة تتعلق بالعاقد أو بالمعقود عليه ، فإن الصحيح صحة ذلك ". انتهى من "الشرح الممتع" (8/ 243).

والحاصل : أنه لا يجوز لهم بيع هذه المساكن إذا أعطيت لهم على سبيل الانتفاع بها ، أو بيعت لهم مع شرط عدم بيعها لغيرهم .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·البيوع

سؤال رقم ٢٩٬٨٥٤

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب البيوع ‹